دنيا ودينأهم الأخبار

الضويني: مؤتمر “الأعلى للشئون الإسلامية “يهدف إلى تعزيز الريادة الوطنية للدولة المصرية

فوقية ياسين 

قال الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، إن المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يُجسِّد اهتمام الدولة المصرية بترسيخ مكانة المهن في الإسلام بوصفها قيمة حضارية وأخلاقية أصيلة تسهم في البناء والعمران، وتستشرف مستقبلها في ظل التحولات المتسارعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأضاف وكيل الأزهر خلال كلمته بالمؤتمر المنعقد برعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وتحت عنوان (المهن في الإسلام)، أن المؤتمر يهدف إلى تعزيز الريادة الوطنية للدولة المصرية في توظيف التقنيات الحديثة وتوجيهها لخدمة الوطن، وبناء الإنسان القادر على الإبداع والتطوير، والإسهام الإيجابي في نهضة مجتمعه، بما يحقق رؤية مصر 2030.

وأكد وكيل الأزهر أن الإسلام يقوم على بناء متوازن، ففي الوقت الذي يأمر فيه بعمارة المساجد بالصلاة والعبادة، يأمر كذلك بعمارة الأرض وصناعة الحضارة بالحِرَف والمِهَن والصنائع، كما أنه في الوقت الذي يدعو فيه إلى عمارة القلوب بالإيمان، يصون النفس من آفات الكسل، ويحفظ كرامتها من ذلّ السؤال.

وأوضح وكيل الأزهر أن السنة النبوية الشريفة قدمت نموذجًا عمليًا لذلك، مستشهدًا بما وقع حين جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ يسأله، فتبين له فقر حاله وقلة ما يملك من متاع الدنيا، فوجهه النبي ﷺ – بلغة العصر – إلى حسن استثمار الموارد المتاحة، فعقد على متاعه اليسير مزادًا علنيًا، وفاوض في ثمنه حتى وفّر للرجل ما يصون بيته، ويفتح له باب حرفة تحفظ كرامته.

وأشار وكيل الأزهر إلى أن النبي ﷺ أعطى الرجل درهمين، وقال له: «اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا فأتني به»، فلما جاءه شد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده، وقال له: «اذهب فاحتطب وبِع ولا أرينّك خمسة عشر يومًا»، فذهب الرجل يحتطب ويبيع حتى عاد وقد أصاب عشرة دراهم، اشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال له رسول الله ﷺ: «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة».

وانطلاقًا من هذا المعنى، بيّن وكيل الأزهر أن المهن والحِرَف والصنائع في التصور الإسلامي تحتل مكانة رفيعة، وتُعد قيمة حضارية وأخلاقية أصيلة، مؤكدًا أن الإسلام يتجاوز بالمهن مجرد التكسّب والاسترزاق، إذ يربط بينها وبين القيم وأخلاق العمران والحضارة برباط وثيق، حتى أصبحت القيم الإيمانية والأخلاقية سمات لازمة للمهنة والحرفة لا تنفك عنها.

ولفت إلى أن هذا التصور الإسلامي الشامل يرسّخ في الوعي الإنساني أن كرامة الإنسان فيما يقدمه من عمل، وأن الكسل والبطالة عبء ثقيل على الفرد والمجتمع، وأن قيمة العمل تُقاس بما يحققه من نفع للناس، مشيرًا إلى أن أداء المهن في إطار أخلاقي راسخ من الإتقان والأمانة والمسؤولية يحولها إلى قوة تسهم في رقي الإنسان، وتجسّد الحضارة في أبهى صورها عمارةً وقيمًا وأخلاقًا.

وأشار وكيل الأزهر إلى أن دراسة المهن عبر تاريخ المسلمين تؤكد أن النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا حين يتكامل العلم مع العمل، وتتحد الكفاءة المهنية مع الأخلاق الرفيعة، موضحًا أن المهنة في التجربة الإسلامية رسالة تسهم في بناء الإنسان والعمران، وتقدّم نموذجًا حضاريًا يؤكد أن العمل الصالح أساس الحاضر وعماد المستقبل، موضحًا أن المهن كانت عبر تاريخ المسلمين أحد أعمدة الازدهار العلمي والاقتصادي، حيث أسهم الأطباء والعلماء والمهندسون والصناع والتجار في صياغة وجه الحضارة الإسلامية، ونقلوا معارفهم وخبراتهم إلى شعوب أخرى، فكانت مهنهم جسورًا للتواصل الحضاري، ووسائل لنشر القيم الإسلامية في الصدق والعدل وحفظ الحقوق.

وأوضح الضويتي أن الحرف والمهن والصنائع تمثل برهانًا على نضج الشعوب، ومرآة تعكس قيمها وتصوّراتها عن الإنسان والحياة، فحين يسود احترام العمل وأهله يزدهر العلم وتتقدم الصناعة والتجارة، وحين تضعف أخلاق المهن تتراجع الحضارة وتفقد وجهتها، لافتًا  أن الحضارات – على اختلاف حرفها – تتفق على أن العمل هو ميزان التقدم وعنوان الرقي، فلا تقوم حضارة إلا على سواعد العاملين، ولا تزدهر أمة إلا حين تجعل من المهن سبيلًا للتنمية وأداة لبناء الإنسان قبل بناء المادة.

وواص وكيل الأزهر كلمته، أنه في زمن التداخل الحضاري والتقارب الإنساني، يصبح تبادل الخبرات المهنية بين الشعوب من أهم عوامل التقدم المشترك، مؤكدًا أن المهن يجب أن تظل جسرًا للتعارف والتفاهم، ووسيلة لتعزيز السلام والتعاون بين الأمم، مع الحفاظ على هوية كل حضارة وخصوصيتها وقيمها الأصيلة.

وانتقل وكيل الأزهر إلى الحديث عن مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذا الملف يفرض ضرورة تحقيق التوازن بين التقدم العلمي والثوابت الأخلاقية، وبين التطور التقني وكرامة الإنسان، لافتًا إلى أن الذكاء الاصطناعي بات أحد محركات التحول في سوق العمل، بما يعيد تشكيل طبيعة المهن ويؤثر في أدوار الإنسان ومهامه.

وشدد وكيل الأزهر على أن المؤسسات العلمية والدعوية مطالبة بأن تكون حاضرة برؤى رشيدة تضبط هذا التحول، ولا تتركه بلا بوصلة قيمية توجهه، مؤكدا أن مستقبل المهن لا يُقاس فقط بسرعة الآلة ودقتها، بل بقدر ما يحافظ الإنسان فيه على دوره المحوري في التوجيه والضبط وتحمل المسؤولية، وأن التحدي الحقيقي الذي يطرحه هذا المؤتمر يتمثل في كيفية الحفاظ على “أنسنة المهن” في عصر الذكاء الاصطناعي، مبينًا أن الذكاء الاصطناعي، رغم امتلاكه السرعة والدقة، يفتقر إلى الضمير والرحمة والمسؤولية الأخلاقية التي يتميز بها الإنسان، والتي تُعد جوهر المهن في الإسلام.

وقال وكيل الأزهر:إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة تخدم الإنسان لا تستبدله، ووسيلة تعين على الإتقان لا تغني عن الضمير، وتساعد على الإنتاج دون أن تلغي القيم، محذرًا من أن أخطر التحديات لا يكمن في تبني التقنيات الحديثة، بل في كيفية دمجها دمجًا أخلاقيًا يحفظ العدالة في فرص العمل، ويصون حقوق العاملين، ويمنع تحوّل التقنية إلى أداة للإقصاء أو الاستغلال غير الأخلاقي.

وأوضح إلى أن العقل الإنساني، إذا كان قد استطاع أن يبدع عقلًا صناعيا، فإنه ملزم بأن يزن ذلك بميزان الضمير والمسؤولية الشرعية والأخلاقية، مؤكدًا أن الرقابة الأخلاقية والقيمية تمثل جسر الأمان بين الإبداع العلمي والعمل المهني، وأن غياب هذه الرقابة قد يحوّل التقنية من وسيلة لخدمة الإنسان إلى أداة لإضعافه أو تجريده من إنسانيته، مؤكدًا أن مستقبل المهن في ظل الذكاء الاصطناعي يتوقف على ترسيخ أن التقنية لا تغني عن الأمانة، وأن العلم لا يغني عن الخلق، ولا تكتمل المهنة إلا بجمال القيم ورقابة الضمير.

و أكد وكيل الأزهر أن المهن في ميزان الشريعة ميدان للعبادة والعطاء وبناء الحضارة، وأن الحديث عنها في ظل الطفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي هو حديث عن مستقبل الإنسان في ضوء القيم الإيمانية، داعيًا إلى إعادة صياغة المفاهيم بما يحقق التوازن بين الآلة والإنسان، وبين المصلحة المادية والقيم الأخلاقية، داعيا العلماء والباحثين والمتخصصين المشاركين في المؤتمر إلى التعاون من أجل وضع خارطة طريق تضمن الاستفادة من التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي دون تعارض مع الثوابت المهنية والقيم الأخلاقية، لبناء نموذج حضاري متوازن يجمع بين التقدم التكنولوجي والالتزام المهني والأخلاقي.

زر الذهاب إلى الأعلى