آراء

الدكتور عبدالراضي رضوان عميد دار العلوم الأسبق يكتب : لنحيا بالوعي.. مَصَارع الوعي الزائف على أَسِنَّة حُرَّاس الهُويَّة

إنه الصوت الصارخ في وجه سماسرة الوعي الزائف ، وتُجَّار التنوير الكاذب ، وأكشاك الحداثة لتفكيك الهويات وتأسيس خطابات الوهم التغريبية .

إنه الدكتور محمد غلَّاب ابن مركز ملوي بمحافظة المنيا سليل عراقة التنوير الديني والمعرفي التي بدأها الجَدُّ العظيم إخناتون بمدينته أخيتاتون بتل العمارنة المتاخمة لبني خالد مسقط رأس غلاب ، في سلسلة تنوير متصلة إلى الشيخين الكبيرين مصطفى وعلي عبد الرازق ؛ لتتعاصر مع عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي جمعه والدكتور غلاب إلى جانب جغرافية التنوير المكاني توهُّج نور بصائر العقل رغم خفوت بَصَر العين ، كما جمعهما المشترك التعليمي بدءاً بالأزهر مروراً بجامعة القاهرة وانتهاء بدكتوراة الجامعات الفرنسية .

لكن مشروع الدكتور محمد غلّاب في جوهره يشكل جواباً فلسفياً عميقاً عن سؤال الهوية والمعرفة في السياق العربي والإسلامي الحديث ؛ بوصفه سؤالًا وجوديًا حضاريًا نشأ تحت ضغط الاستعمار الثقافي وهيمنة النموذج المعرفي الغربي الذي يرزخ تحت أقدامه دعاةُ التغريب من مفتقدي المنهجية العلمية وأصالة التكوين المعرفي ، والمنسلخين من عباءة الهوية تحت سطوة استسلامهم لقهر تغول إحساسهم بالدونية الحضارية .

فمشروع غلَّاب يطرح
مسألة الهوية بوصفها مُسَلّمة فلسفية تقوم على بناء معرفي يتشكل عبر الوعي ، وليست معطيات أو قوالب ثابتة .

ومن هنا لاينبغي اختزال الهوية في مجرد الانغلاق التام على التراث مع نبذ التثاقف الحميد والتجديد الرشيد ، وكذلك يجب في الآن نفسه رفض الذوبان في النموذج الغربي أو الانصياع لقيمه ومعطياته وتصوراته والخنوع لمناهجه ومذاهبه.

وإنما ينبغي تأسيس وعي فلسفي لبناء هوية تقوم على امتلاك أدوات المعرفة وليس استهلاك نتائجها.

وقد قدم الدكتور غلاب بياناً عمليا للوعي البنَّاء في تأسيس الهوية الذاتية المستقلة وليست التابعة .

فقد جاءت عنايته بالفلسفة الشرقية وفي الصدارة منها فلسفة مصر القديمة ليس بوصفها بديلًا عن الغرب ، بل بوصفها شاهدًا تاريخيًا على تعدد مسارات العقل الإنساني دون حصرية أو احتكار جغرافي غربي .

كما أن غلاب في إطار تأسيسه للوعي البناء في تكوين الهوية الحضارية المستقلة بحثا عن جواب لسؤال المعرفة قد قام
بنقد عميق لمركزية المعرفة الغربية وأثرها السلبي الفتاك في جواب سؤال الهوية ؛ مُدركاً بوعي كبير أن أزمة الهوية العربية الحديثة ترتبط من خلال سماسرة التغريب وتجار الوعي الزائف وحداثة تفكيك الهويات الشرقية ارتباطًا وثيقًا بـهيمنة المركزية الغربية على تعريف العقل والفلسفة والمعرفة.

ومن هنا كانت ريادته في إدخال الفلسفات الشرقية إلى الدرس الأكاديمي والفلسفي المصري موقفاً معرفيًا ذا دلالة حضارية تمثل تفكيكًا ضمنيًا لفكرة معيارية الغرب الوحيدة للعقلانية.

كما تمثل محاولةً جادةً
لتحرير الوعي العربي والإسلامي من الشعور بالدونية المعرفية ، ومحاولة دؤوبة لإعادة توطين الذات العربية والإسلامية داخل تاريخ إنساني مشترك وليس على هوامشه.

خاصة أنه قد ثبت وتحقق علميا ومعرفيا أن الدور الشرقي في تاريخ الفلسفة الإنسانية دور فاعل قديما على تكوين فكر اليونان الذين تعلموا بمصر أصول المعرفة الفلسفية والعلمية سواء أفلاطون أم فيثاغورس وغيرهم من مؤسسي الدرس الفلسفي والمعرفي باليونان ، أم كان التأثير إسلاميا صبغ العصور الوسطى الأوربية وانتقل بها من الظلامية إلى التنوير.

أما الفرادة التي امتاز بها المشروع الفلسفي لدى غلاب والتي ربما تكون أكبر مصدر إزعاج لتجار الحداثة والتنوير الزائف المعاصرين والتي دفعتهم إلى تجاهل جهود الدكتور غلاب الفيلسوف هي تأكيده على أن العقل ليس الأداة الوحيدة للمعرفة ، فالفلسفة

كما أنتجتها الفلسفات الشرقية تقطع بحسم لا يتخلف بدور طاغٍ في إنتاج المعرفة لثلاثة من العوامل الهادمة لأسس الفكر المادي وادعاءاته الكاذبة ، وهي :
١. التجربة الروحية
٢. الحدس
٣.التزكية الأخلاقية للنفس .

وهذا الطرح وهو مايزعج أكشاك العلمانية يلتقي بعمق مع حقيقة بناء المعرفة في الثقافة الإسلامية إذ لا تنفصم فيه المعرفة عن القيم ، كما لا ينفصم العلم عن الهداية.

وبذلك أكد غلاب في مواجهة تيارات المادية بتشكلاتها العلمانية والحداثية على إعادة الاعتبار لنموذج معرفي تكاملي ينسجم مع روح الحضارة الإسلامية ، ويُسهم في تجديد سؤال الهوية من الداخل.

مما يفتح للوعي العربي والإسلامي أفقًا معرفيًا جديدًا غيرَ تابع لحداثة مستوردة ومتحررا من أسْر المركزية الغربية ، وفي إطار من ذلك الوعي المتحرر يمكن تأسيس وعي فلسفي عربي فاعل في إنتاج المعنى وليس مستهلكًا له .

زر الذهاب إلى الأعلى