آراء

مهندس خالد محمود خالد يكتب: وهم المعرفة وسقوط هيبة التخصص

قراءة تحليلية في تأثير دانينج–كروجر على الدين والطب والهندسة

تُعد ظاهرة المبالغة في تقدير القدرات المعرفية واحدة من أبرز الانحيازات النفسية التي تؤثر في سلوك الأفراد ونظرتهم للعلم وأهله، وقد تناولها علم النفس المعرفي فيما يُعرف بتأثير دانينج–كروجر، وهو نمط ذهني يجعل أصحاب المعرفة المحدودة يعتقدون أنهم أكثر فهمًا وكفاءة مما هم عليه في الواقع، في حين يميل أصحاب الخبرة الحقيقية إلى إدراك تعقيد المجالات التي يعملون فيها، فيتحلون بدرجة أعلى من التواضع والحذر في إصدار الأحكام.

لا تكمن خطورة هذه الظاهرة في بعدها الفردي فقط، بل في انعكاسها على البناء الاجتماعي والمعرفي للمجتمعات، حيث تتحول الثقة الزائفة إلى موقف عدائي تجاه التخصص والعلماء وأصحاب الخبرة. فالمعرفة السطحية تمنح صاحبها وهم الإحاطة، فيتصور أن ما حصّله من معلومات جزئية يكفي للحكم على قضايا معقدة تراكمت حولها خبرات بشرية عبر عقود وقرون.
في المجال الديني، يظهر هذا التأثير بوضوح عند بعض الأفراد الذين يكتفون بقراءات مبسطة للنصوص الشرعية أو بمتابعة محتوى مختصر عبر وسائل الإعلام الحديثة، ثم يظنون أن هذا الفهم السريع يؤهلهم للاجتهاد والفتوى، فيقللون من شأن علماء الدين الذين كرّسوا أعمارهم لدراسة علوم اللغة، وأصول الفقه، والحديث، وسياقات النصوص. ويغيب عن هؤلاء أن العلم الشرعي منظومة دقيقة تهدف إلى ضبط الفهم ومنع الانحراف في الاستنباط، وأن تجاوز هذه المنظومة لا يقود إلى تبسيط الدين، بل إلى تشويهه وإفراغه من عمقه المقصود.

ويمتد هذا النمط إلى المجال الطبي، حيث يؤدي الاطلاع السريع على معلومات صحية عامة إلى شعور زائف بالقدرة على التشخيص والعلاج. فيتعامل البعض مع الطب وكأنه مجموعة نصائح يمكن لأي شخص إتقانها، متجاهلين أن هذا العلم قائم على تداخل معقد بين أجهزة الجسم، وتقدير احتمالات متعددة، وموازنة دقيقة بين العلاج والمخاطر. إن هذا الوهم المعرفي لا يهدد صحة الفرد فقط، بل قد يتحول إلى خطر جماعي حين تنتشر الممارسات الخاطئة تحت ستار “المعرفة”.

وفي المجال الهندسي، تتجلى الظاهرة في الاستهانة بالتصميمات والدراسات الفنية، حيث يرى غير المتخصص أن تنفيذ المشروعات مسألة بسيطة يمكن إنجازها دون التزام صارم بالأكواد والمعايير. ويغفل أن ما يبدو سهلًا في الظاهر هو نتاج حسابات معقدة تتعلق بالأحمال، ومعاملات الأمان، وتأثير الظروف البيئية، واحتمالات الفشل. إن اختزال هذا الجهد في رؤية سطحية يعكس بوضوح الفجوة بين المعرفة الجزئية والحقيقة الفنية المتكاملة.

من الناحية النفسية، يُفسَّر هذا السلوك بأن الإنسان كلما امتلك قدرًا محدودًا من المعلومات عجز عن إدراك المساحات الواسعة التي يجهلها، فيتوهم اكتمال الصورة. بينما كلما تعمق في العلم، انكشفت أمامه طبقات جديدة من التعقيد، فيزداد وعيه بحدود معرفته. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تجعل المبتدئ واثقًا إلى حد التهور، في حين يصبح الخبير أكثر تحفظًا في أحكامه.

وتكمن الخطورة الأوسع لهذه الظاهرة في تأثيرها على الوعي الجمعي، إذ تضعف الثقة في المؤسسات العلمية والدينية والمهنية، وتمنح مساحة أكبر للأصوات غير المؤهلة لتوجيه الرأي العام، خاصة في عصر الإعلام المفتوح، حيث تتساوى الآراء في الانتشار بغض النظر عن عمقها أو دقتها. ومع مرور الوقت، تتشكل ثقافة تستخف بالتخصص وتفضل الحلول السهلة والسريعة حتى في القضايا المصيرية.

في المحصلة، لا يمثل تأثير دانينج–كروجر مجرد خلل نفسي فردي، بل هو عامل مؤثر في تراجع قيمة العلم وانتشار الفهم السطحي في المجتمع. فحين تحل الثقة الزائفة محل الخبرة، ويُستبدل التخصص بالرأي العابر، يصبح الطريق ممهّدًا للأخطاء الكبرى في الدين والصحة والبناء والتنمية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة احترام التخصص، وتعليم الأفراد إدراك حدود معرفتهم، باعتبار ذلك أساسًا لنهضة فكرية حقيقية تقوم على العلم لا على الوهم.

مهندس خالد محمود خالد يكتب: وهم المعرفة وسقوط هيبة التخصص

زر الذهاب إلى الأعلى