دنيا ودين

د. حسني ابوحبيب يكتب: وسطية سر تفرد وسماحة سببَ توحد

“يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُم” [النساء: 171].

الغلوُّ: خروج عن الاعتدال، ومجاوزة الحد بالزيادة كان أو بالنقصان، وظهوره في أمّة من الأمم علامة اعتلال، وهو أخطر ما يكون على مستقبل الأفراد أو الدول، وأخطره بلا شكٍّ ما كان في الدين، وكم ضلّ به أقوام، وزلّت فيه أقدام، حتى نسب بعض الناس إلى بعض الأنبياء ما ليس لهم وما لا ينبغي أن يكون لهم، فعاتبهم الله تعالى بقوله: “يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الْحَقَّ” [النساء: 171]، وكرّر لهم العتاب مرة أخرى فقال تعالى: “يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ” [المائدة: 77].

وعندما منّ الله علينا بنبيّ الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم، فما كان منه بعد أن أبان لنا السبيل إلا أن أمرنا بالاعتدال وحذّرنا من الغلوِّ كما لم يحذرنا من شيء آخر، واصفًا إيَّاه بالهلاك، فقال: “إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ” [المعجم الكبير للطبراني].

ولقد وعى المسلمون على مدى قرون هذا التحذير وعملوا بموجبه، فكانوا نماذج طيبة للتسامح والتيسير فقامت بهم الدولة، ودامت لهم الغلبة، فأقاموا للأخلاق منارات، وبنوا للعالمين حضارات، وما أعانهم على ذلك إلا وسطيتُهم التي كانت سرَّ تفرُّدهم، وسماحتُهم التي كانت سببَ توحُّدهم.

ثم دارت الأيام دورتها، فخلف من بعد أولئك خَلْفٌ حادوا عن الوسطيَّة، ونحُّو السماحة جانبًا، فتفرَّقوا شيعًا وأحزابًا، “كلٌ حزب بما لديهم فرحون”، وأخذ كلُّ فريق منهم يُغير على إخوانه قولًا وعملًا، ويتعصَّب لرأي مشايخه خطأً كان أوصوابًا، ونسي الجميع أنّ الإسلام يذهب بالإفراط كما يذهب بالتفريط.

وللأسف الشديد قاد هذا الغلوَّ قومٌ جهّالٌ حسبهم من هم أجهلُ منهم علماء بعد أن تزيَّوا بزيِّ العلماء وسرقوا هيئتهم، ففرّقوا جماعة المسلمين بعد وحدتهم، وأضعفوهم بعد قوَّتهم، وتفرَّغ كلُّ فريق للردِّ على الفريق الآخر بسيء القول ومنكره، حتى ضعف الطالب والمطلوب.

وشاءت حكمة الله تعالى ورحمته بأن يكون الأزهر الشريف بمنأى عن هذا المنهج المُفْرِط أو المُفَرِّط، بفضل علماء تمسّكوا بالوسطيّة بعد أن رزقهم الله الفهم الثاقب للدين والإداراك التام لغاياته العظمى، فأخذوا على عاتقهم نشر لواء الوسطيَّة ومحاربة الإفراط والتفريط على حدٍّ سواء.

والقول الكريم الذي استهللنا به مقالنا هذا ما هو إلا تحذير لكلّ أهل الكتاب من يهود ونصارى ومسلمين من سلوك مسلك الغلوِّ والتطرّف.

وما حملني على كتابة هذا المقال في هذا الوقت إلا ما أراه من سلوك مسلك الغلوِّ في النقد من علماء نظنُّ بهم خيرًا، لعلماء قضوا نحبهم وأصبحوا بين يدي خالقهم، وقد اجتهدوا فمنهم المصيب والمخطئ، وأخشى أن يقع هؤلاء المنتقدين فيما وقع فيه غلاة السلفية من تعريض بالكلام، وجفوة في النقد، وتطاول على علماء أعلام، فإنّا لو نظرنا بعين النقص لكلّ عالم لوجدنا فيه نقصًا لا ريب في ذلك، فمن بحث عن سوءة وجدها، إذ الأصل في البشر النقص لا الكمال، ما عدا من حباهم الله تعالى بعصمته من أنبيائه ورسله.

~أمّا من عداهم فمهما علا كعبهم في العلم فلا بدَّ وأن تكون لهم زلّة، وإلا لأصبحوا من أهل العصمة، فكما قيل: لكلّ صارمٍ نَبْوة، ولكلّ جوادٍ كبوة، ولكلِّ عالمٍ هفوة.

هذا المنهج هو ما تربينا عليه في أزهرنا الشريف أدام الله عليه شرفه، من أدب وعلوم تقوم على الأدب واحترام الآخر أيًّا كان، وجُلُّه يدور حول القاعدة التي تقول: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”، فهذا الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان (150هـ) يردُّ على أحد تلاميذه عندما امتدح رأيه بأنّه الصواب الذي لا خطأ فيه بقوله: وما يدريك لعله الخطأ الذي لا صواب فيه. يأتي من بعده الإمام مالك (179 هـ) فيقول: كلٌّ يُؤخذ من كلامه ويُرد إلا صاحب هذا القبر. مشيرًا إلى مقام رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. ومن بعدهما يأتي الإمام الشافعي (204 هـ) فيقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غير خطأ يحتمل الصواب. ثم يأتي الإمام أحمد (241 هـ) فيتورع عن ادعاء الإجماع المطلق، ويقول بدلاً منه لا أعلم فيه خلافًا.

وهذا لا ريب هو الأدب الذي أدّب عليه ربُّنا عز وجل نبيَّنا صلى الله عليه وآله وسلم، في قوله تعالى: “قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ الله وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُون” [سبأ: 24 ، 25].

فانظر يا رعاك الله بما يأمر الله تعالى نبيَّه ؟، يأمره بالتواضع وعدم ادعاء امتلاك الحق والحقيقة، وأمام من؟!! أمام قوم مشركين، بل يأمره بإظهار المدى في احترامهم وذلك بأن ينسب الجرم لنفسه -وإن كان أبعد الناس عنه- والعمل لغيره.

وإنّه لمما يُؤسفني رواج منهج الانتقاد غير المبرر، والانتقاص اللامحمود لعلماء مضوا، كابن تيمية وغيره مثلًا.

إن ابن تيمية رحمه الله تعالى -اتفقنا معه أو اختلفنا- له ما له وعليه ما عليه، شأنه شأن غيره من العلماء، والأزهر الشريف يحترم علم الرجل بل ويُفتي على رأيّه واجتهاده في بعض المسائل، ثم ما الذي نجنيه من نقده في هذه الأيام؟. إلا غرس البُغض، وزرع الفرقة فيما بيننا، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى الوَحدة والاعتصام، وهل يليق بالعلماء الانتقاص من بعضهم البعض؟، وإن اختلفوا في الرؤى والأفكار، أين هذا من أدب رسولنا الكريم الذي أدَّبنا به؟، ألا نحترم على الأقل من يحترمون فكر الرجل، ونكفَّ ألسنتنا عنه مراعاة لمشاعرهم، ولنردد قول الإمام أحمد: “إنّ لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن شمّها مات”، وقول عبد اللهِ بن المبارَكِ: “من استخفَّ بالعُلَماءِ ذَهَبَت آخِرَتُه، ومن استخَفَّ بالأُمَراءِ ذَهَبَت دُنياه، ومن استخَفَّ بالإخوانِ ذهَبَت مروءتُه”.

لمّا أسلم عكرمة بن أبي جهل وعلم رسولنا الكريم بقرب قدومه أوصى صحابته الأكارم بعدم التعرّض لذكر أبيه بسوء مراعاة لمشاعره، فقال صلى الله عليه وسلم: “يَأْتِيَكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ، وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ”، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ رَسُولِ الله اسْتَبْشَرَ وَوَثَبَ لَهُ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ فَرِحًا بِقُدُومِهِ. [المستدرك على الصحيحين للحاكم] فإذا كان رسولنا نهى عن ذكر فرعون الأمة بسوء إكرامًا لمشاعر ولده المؤمن، أفلا نكفّ نحن ألسنتنا عن عالم مؤمن عاش مجاهدًا ومات شهيدًا، إن لم يكن ديانةً فإكرامًا لمحبّيه من إخواننا وهم لا شكّ كُثُر ؟!!!.

أيضًا روى الحاكم في مستدركه بسنده عن أمّنا السيدة صفيّة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: يَا بِنْتَ حُيَيٍّ مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ يَنَالَانِ مِنِّي وَيَقُولَانِ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنْهَا، نَحْنُ بَنَاتُ عَمِّ رَسُولِ الله وَأَزْوَاجُهُ قَالَ: أَلَا قُلْتِ: كَيْفَ تَكُونَانِ خَيْرًا مِنِّي؟، وَأَبِي هَارُونُ، وَعَمِّي مُوسَى، وَزَوْجِي مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ”.

هذا الأدب مفتاح القلوب، ودليل الوحدة، وعنوان الاعتصام، وهذا ما عليه مدار الدين.

أم ما كنّا نعيبه على جفاة السلفية من سفه وسبٍّ ولعن وغمز ولمز سنُبتلى به؟!!!، ونعوذ بالله من أن يَحقَّ علينا قول رَسُولنا الكريم صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ” [سنن الترمذي].

فثوبوا إلى رشدكم هداكم الله، “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” واعملوا جهدكم على ما يُؤلِّف القلوب، ويجمع الكلمة، ويُوحِّد الصفَّ ويُعلي شأن الوطن ببث روح المحبة والأُلفة بين أبنائه أجمعين.

أحِبَّ الكرَامَ وَاصْفَحْ عَنِ الزَّلَاتِ * وَأَعْذِرْهُمْ فِي سَائِرِ الْحَالَاتِ

نسأل الله تعالى في هذه الأيام المباركات أن يجمعنا على كلمة سواء ترضيه عنا وترضينا، وأن يحفظ مصرنا من جهل الجاهلين وكيد الكائدين إنه نعم المجيب.

د. حسني ابوحبيب يكتب: وسطية سر تفرد وسماحة سببَ توحد

زر الذهاب إلى الأعلى