فنون

سهام الزعيري تكتب :”جريمة في بيت الرب” عمل روائي يمتلك مقومات البقاء

تعد الكاتبة شاهيناز الفقي من الأصوات السردية التي تمتلك مشروعا روائيا قائما على البحث والتأمل والتجريب الفني، إذ لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تسعى إلى استنطاق التاريخ وكشف المسكوت عنه، وتطويع المعرفة لخدمة العمل الإبداعي.

وتمتاز كتاباتها بالقدرة على المزج بين الخيال والواقع، وبين الحس الإنساني والبعد الفكري، بما يمنح نصوصها خصوصية لافتة وحضورا مميزا في المشهد السردي المعاصر.

وفي روايتها “جريمة في بيت الرب” تقدم “شاهيناز الفقى عملا روائيا ثريا ومركبا، يفتح أبوابا متعددة للقراءة والتأويل، ويأخذ القارئ في رحلة تتجاوز حدود الجريمة التقليدية إلى فضاءات التاريخ والفلسفة وعلم النفس وأسئلة الوجود الكبرى.

تعد رواية *”جريمة في بيت الرب”* عملا سرديا طموحا يغامر بالدخول إلى مناطق شديدة الثراء والتعقيد؛ إذ تمزج بين الرواية التاريخية والفانتازيا النفسية وأدب الغموض والتحقيق، لتقدم نصا متعدد الطبقات يضع القارئ أمام أسئلة كبرى تتعلق بالحقيقة والذاكرة والزمن والهوية.

منذ الصفحات الأولى، لا تكتفي الكاتبة ببناء حدث روائي تقليدي، بل تدفع القارئ إلى عالم يختلط فيه الواقع بالوهم، ويتجاور فيه التاريخ مع التأمل الفلسفي. فالراوي يعيش حالة دائمة من الشك تجاه ما يراه وما يتذكره، ويجد في ظاهرة *”الديجافو”* مدخلا للتساؤل حول العوالم الموازية وإمكانية تداخل الأزمنة والوقائع.

وتكمن إحدى نقاط القوة الأساسية في الرواية في نجاح الكاتبة في توظيف هذا الاضطراب الإدراكي بوصفه أداة فنية، وليس مجرد فكرة علمية أو خيال فلسفي؛ إذ يتحول الشك إلى محرك للأحداث، ويصبح البحث عن الحقيقة رحلة وجودية تتجاوز حدود الجريمة ذاتها.

الرواية كذلك تنتمي إلى ذلك النوع من الأعمال التي تجعل التاريخ مادة حية نابضة، لا مجرد وقائع جامدة.

فالكاتبة تستدعي أجواء مصر القديمة، وقضية اغتيال الملك رمسيس الثالث، وصراعات القصر والكهنة والورثة، لتعيد قراءتها من منظور إنساني وسردي معاصر.

وتبدو براعتها واضحة في بناء المشاهد التاريخية وتفاصيل الحياة اليومية والطقوس والعلاقات الاجتماعية، وهو ما يعكس جهدا بحثيا كبيرا منح العمل مصداقيته الفنية.

ولا تطرح الرواية التاريخ باعتباره حقيقة نهائية أو نصا مغلقا، بل تتعامل معه بوصفه مجالا للتساؤل وإعادة القراءة. فالأحداث والشخصيات تتحرك في مساحة رمادية بين الحقيقة والتأويل، وبين الوثيقة والرواية، وكأن الكاتبة تطرح سؤالا جوهريا .. هل نعرف التاريخ كما حدث فعلا، أم كما كتب لنا أن نعرفه؟

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا العمل نجاح الكاتبة في بناء جسر فني بين الماضي والحاضر. فالرواية لا تتوقف عند حدود استدعاء زمن فرعوني بعيد، بل تجعل ذلك الماضي حاضرا في وجدان الإنسان المعاصر، وكأن الأسئلة التي شغلت البشر منذ آلاف السنين ما زالت قائمة حتى اليوم .. الصراع على السلطة، البحث عن الحقيقة، الخوف من الخيانة، والرغبة في الخلود.

وعلى مستوى الشخصيات، استطاعت شاهيناز الفقي أن تمنح أبطالها أبعادا نفسية وإنسانية واضحة، فلم تقع في فخ التبسيط أو النمطية. فالشخصيات هنا ليست مجرد أدوات لتحريك الحدث، بل كيانات حية تنبض بالمشاعر والتناقضات والهواجس، الأمر الذي يمنح السرد عمقا إضافيا ويجعل القارئ أكثر ارتباطا بمصائرها.

كما نجحت الكاتبة في استثمار تقنيات التشويق الروائي بذكاء، إذ تتوالى المفاجآت وتتداخل الخيوط السردية دون أن تفقد الرواية تماسكها. وكلما ظن القارئ أنه اقترب من الحقيقة، فتحت الرواية أمامه بابا جديدا من الأسئلة، وهو ما يحافظ على حالة الترقب حتى الصفحات الأخيرة.

أما اللغة، فهي إحدى نقاط الجمال الواضحة في العمل. لغة تجمع بين السلاسة والعمق، وبين الوصف الدقيق والتأمل الفلسفي، وتملك قدرة على رسم المشاهد واستحضار الأجواء التاريخية والنفسية في آن واحد. كما تتجلى براعة الكاتبة في المشاهد الحلمية والهلوسية التي تتشابك فيها الرؤية البصرية مع الدلالة الرمزية، فتمنح النص بعدا شعريا دون أن تفقده طابعه السردي.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها دفاعا عن قيمة المعرفة والبحث العلمي، ورفضا للتسليم بالموروث دون مساءلة. فالشخصيات لا تتوقف عن التنقيب خلف الروايات الرسمية، وهو ما يحول الرواية إلى دعوة مستمرة للتفكير النقدي ومراجعة المسلمات.

ورغم تعدد المستويات الفكرية والفنية داخل النص، فإن الرواية لا تسقط في فخ الاستعراض الثقافي أو الإغراق المعرفي، بل تحافظ على توازن دقيق بين الفكرة والحكاية، وبين المتعة السردية والبعد التأملي، وهي معادلة ليست سهلة التحقيق في الرواية التاريخية.

إن *”جريمة في بيت الرب”* ليست مجرد رواية عن جريمة وقعت في زمن بعيد، بل هي رواية عن الإنسان في بحثه الدائم عن الحقيقة، وعن هشاشة اليقين أمام اتساع الأسئلة، وعن التاريخ بوصفه نصا مفتوحا على احتمالات لا تنتهي.

وفي تقديري، نجحت *شاهيناز الفقي* في تقديم عمل روائي يمتلك مقومات البقاء؛ عمل يجمع بين المعرفة والمتعة، وبين الخيال والتاريخ، وبين التشويق والتأمل. وهي رواية تثبت أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يدفع القارئ إلى إعادة النظر في العالم من حوله، وإلى اكتشاف طبقات جديدة من المعنى كلما عاد إلى النص من جديد.

لقد استطاعت الكاتبة أن تحول *”جريمة في بيت الرب”* من حكاية عن مؤامرة تاريخية إلى رحلة فكرية وإنسانية عميقة، وهو ما يجعلها إضافة مهمة إلى الرواية العربية المعاصرة، وعملا يستحق القراءة والتأمل والنقاش.

سهام الزعيري تكتب :”جريمة في بيت الرب”عمل روائي يمتلك مقومات البقاء

زر الذهاب إلى الأعلى