جرائم العنف تثير أعاصير الرعب وعواصف الهلع

الخبراء : فن المقاولات وغياب الردع أمراض تهدد المجتمع

وسائل التواصل الإجتماعي تكشف كثيرا من الجرائم المخفية

الازمة الحقيقية ليست في القوانين بل فى التنفيذ

تحقيق محمد حربي

ما بين الحالة الفردية والظاهرة، يتأرجح الفكر البشري، ويقف حائرا العقل الإنساني في الحكم على ما يشهده الشارع المصري في الأونة الأخيرة، من جرائم عنف تثير الإشمئزاز، وتبعث في النفس أعاصير الرعب وعواصف الهلع، ليس لزلزال دمويتها فحسب، ولكن لكونها أحداثا تكاد تكون دخيلة، ولم يألفها مجتمعنا من قبل .. وكأن شيئا ما قد طرأ علينا، فترى قيما يتحلل عظامها، ويطويها الثرى، تلك التي عاشت تتوارثهاالأجيال السابقة، وسجلها التاريخ بأحرف من نور، وتجسدت فيها عظمة المصريين، في أحداث كثيرة، ومنها ملحمة إنتصار أكتوبر العظيم ، جسدت الروح الوطنية، وكشفت المعدن النفيس للشعب، من خصال الشهامة والمرؤة، ومكارم الأخلاق، ونجدة الملهوف..


كانت الأعمال الدرامية تقدم الوجه المشرف للمواطن، وشجاعته، فلم نرى أو نسمع عن ذئاب بشرية تفترس أنثى، وتنتهك عرضها، وتستبيح الشرف في ميدان عام، مع حالة اللأمبالاة وتبلّد مشاعر المارة وكل الناس، كما لم نعهد أن تترك الرجال بدم بارد، بلطجيا يذبح إنسانا ويمثل بجثته، ويكتفوا برفع أجهزة المحمول لأخذ اللقطة، وتسجيل المشهد، بشكل يثير الغرابة والدهشة والغرابة .
ولأن حادثة الإسماعيلية، من قتل لإنسان، وقطع للرأس، وتمثيل بالجثة، مازالت تطل برأسها علينا من ساحات المحاكم، وأروقة العدالة، ويتلقف أخبارها القرّاء، لكونها تعد الأكثر عنفا ودموية في الشارع المصري حتى الأن، والتي رفضها الرأي العام، ولعنها الضمير الإنساني، بشكل دعا إلى أهمية البحث عن العوامل التي طرأت على حياة المصريين، والأسباب التي دفعت إلى هذا الإنفلات.. من هنا تحاول ” بوابة العمال ” دق ناقوس الخطر، والغوص في أعماق الشخصية المصرية،والتفتيش فيما أصابها في المرحلة الأخيرة، ويومنا الحاضر، من خلال إستشراف رؤى عدد من علماء علم الإجتماع، والتكييف والعقوبةالشرعية والقانونية لمثل هذه الجرائم، الذين ألقوا بالمسؤولية على فن المقاولات الهابط، المحرض على العنف، وتمجيد البلطجي، مع غياب القدوة الحسنة، وإنتشار سلوكيات دخيلة على المجتمع، وعدم فاعلية أدوات الردع القانوني .. لنتعرف على الآراء

الفن والاعلام الاجتماعي

في البداية يؤكد الدكتور الدكتور أحمد مجدي حجازي، أستاذ ورئيس قسم علم الإجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة، أن الجميع يستنكر مثل هذه الأحداث، موضحا أن الدراسات الإجتماعية تولي لها إهتماما كبيرا من الناحية السوسيولوجية،ثم من ناحية علم النفس بشكل أساسي، على إعتبار أنها ظواهر نفسية، مرتبطة بالتحديات التي تواجه المجتمع من الجانب النفسي، ثم من الجانب الإجتماعي أيضا، مشيرا إلى ما يمر به المجتمع المصري من تحولات كحال باقي المجتمعات، نتيجة عوامل عديدة، ومنها الثقافات الجديدة، التي تغزو المجتمع عبر الفن والسينما، ووسائل التواصل الإجتماعي، ومن ثم فقدت التنشئة الإجتماعية قيمتها في الأسرة،والمدرسة، ودور التربية بشكل عام،

اشار اننا بدأنا نرى فئات داخل المجتمع المصري، تغيرت مفاهيمها، وأصبحت الناس تتشوق للأعمال الفنية والسينمائية التي تحض على العنف ” أفلام أجنبية أو مصرية ”

وقال الدكتور حجازي، إن كثيرا من القيم الإجتماعية، التي كانت في الماضي ركيزة للسلام الإجتماعي، والأسرة والتربية، قد تغيرت مع إنتشار وسائل التواصل الإجتماعي، بمعنى أنه قد حدث تراجعا في الرقابة الأسرية، في مواجهة الإختراق الثقافي الخارجي، بأشكاله المتعددة، التي تحض على القوة والعنف، وأعمال البلطجة .

وأضاف الدكتور حجازي، أنه على الرغم من وجود العديد من الدراسات داخل المركز القومي للبحوث، التي تتدارس أشكال العنف، والجريمة، وظواهر الإجرام داخل المجتمع، وخضعت للعلم والتحليل، وخرجت بنتائج معينة، لكنها قد لا تصل إلى صناع القرار، والمثقفين بشكل عام، داعيا إلى ضرورة أن تلقى مثل هذه الدراسات ما تستحق من الإهتمام، ويتم وضعها في قالب إستراتيجية وطنية للدولة، يتم تبنيها للحد من الجريمة .

اللامبالاة والسلبية

من جانبه أكد الدكتور عمارعلي حسن، خبير علم الإجتماع السياسي، أنه بمراجعة سريعة للأحداث التي جرت في السنة الأخيرة بالشارع المصري، يعرف أن هناك أمرا ما قد أصاب الشخصية المصرية، موضحا أن تقرير الأمن العام يكشف كذلك أن مجتمعنا بدأ ينجرف بإتجاه جرائم جديدة، ومريبة، مشيرا إلى أن وسائل الإعلام الإجتماعي ساهمت إلى حد كبير في الكشف عن كل الجرائم التي تحدث، بعد أن كانت الصحف لا تنشر أكثر من 10 بالمئة منها .

وقال الدكتور عمار، إن الإشكالية ليست في كم الجرائم، بل في الغرابة، موضحا أنه بالإمكان أن نرجع جريمة الشارع المصري لليأس من المستقبل، مع خلل نفسي، وعوامل إقتصادية أخرى، كحالات الفقر الشديد، وفقدان الأمل، واللامبالاة السياسية والاجتماعية.

وأوضح الدكتور عمار، أن جريمة القتل والتمثيل بالجثة التي شهدها شارع الإسماعيلية، على مرأى ومسمع من الناس، دون أى مقاومة للجاني، تشير إلى تفشي أمراض مجتمعية خطيرة كالسلبية

وأشار الدكتور عمار، إلى أن مشكلة الأعمال الفنية، والسينما، ليست في طرح أفلام العنف، بل فيما تقدمه من خلال شخصية البطل الذي يمارس البلطجة، وتكون نهايته سعيدة، كحالة اللمبي، وغيره، وإعتباره نموذجا للشباب.

التمثيل بالجثث

من جانبه أكد الدكتور محمد نصر الدسوقي اللبان، أستاذ الحديث وعلومه بالأزهر، وعميد كلية الدراسات الإسلامية بدمياط الجديدة، أن الله قد كرم الإنسان حيا وميتا، ونهى الإسلام عن المثلى والتمثيل بالموتى، حتى ولو بالأعداء، موضحا أن مرتكب هذه الجريمة، إذا فلت من عقاب الدنيا فلن يفلت في الآخره، مشيرا إلى أن القتل العمد فيه قصاص، مصداقا لقوله تعالى ” ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون “.

حد الحرابة واجب

من جانبه تؤكد الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذ الفقه بقسم الشريعة الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، أن الجرائم التي تقع جهارا نهارا، ويحدث فيها تمثيل بالجثة، فإنها تندرج تحت مظاهر الفساد في الأرض، وإحداث حالة من الهلع والإضرار بأمن المجتمع، ومن ثم فإن التكييف الشرعي لها أن يكون الجزاء من نفس العمل، ويتم تطبيق حد الحرابة على مرتكبي ذلك، في مكان عام، وأمام الناس ، مصداقا لقوله تعالى ” وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين “، مشيرة إلى أنه لو الناس خافت العقوبة لفكرت قبل أن تقدم على فعل الإجرام .

وانتقدت الدكتورة فتحية، سلبية المجتمع، وتحول الناس لمجرد متفرجين، اكتفوا بتصوير الجريمة، وكان بإمكان الجمهور أن يتكاتفوا ويمنعوا الجاني، الا أنه فيما يبدوا سلبهم الخوف إرادة الشجاعة، مما يعني أن خللا إجتماعيا قد حدث في تركيبة المجتمع المصري.

الأمن السياسي أم الجنائي

ويرى عصام شيحة المحامي، ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الانسان، أنه منذ ما يقارب من ثلاثة عقود، وعلماء علم الاجتماع، والقانونيين، يطرحون رؤى وتساؤلات حول ما حدث لمصر والمصريين، موضحا وجود متغيرات طرأت على الشخصية المصرية، وحالة الانفلات الملحوظة في الشارع، التي ترجع لغياب سياسة الردع، وعدم الخوف من العقاب، هذا بجانب خطورة فن المقاولات، الذي يقدم العنف في مواجهة المجتمع، ويظهر البلطجي بصورة البطل الشعبي.

أزمتنا التنفيذ لا النصوص

وقال شيحة، إن أزمتنا الحقيقية لا تكمن في التشريع، فالقوانين مليئة بنصوص العقوبات، ولكن هي في عدم التنفيذ، وقد يكون من المفارقات أنه حينما تنشر الصحف القبض على مجرم، يكون مصحوبا بأن لديه كثيرا من السوابق والاحكام القضائية التي لم يتم تنفيذها، لافتا إلى أن منظومة العدالة في مصر بحاجة لثورة حقيقية، ليست تشريعية فحسب، بل إدارية، وفكرية، لافتا إلى أن الأجهزة الأمنية تتبع منهجية وأسلوب الثلاجة، مع الجرائم، بحيث تأتي جريمة جديدة، فتنسى الناس ما قبلها .

مبادرة رئاسية للقيم

ودعا شيحة، إلى أهمية منح القضاة سلطات تقديرية في الأحكام والعقوبات، ولا تقيده بمبادئ الشك المفسرة لصالح المتهم، ويمنحه البراءة، على الرغم من قناعة القاضي بإرتكاب الجاني للجريمة، كما على البرلمان الإسهام بدوره في الإصلاح التشريعي، ولا يتوقف عنده، بل يفعل دوره النيابي في عملية الرقابة، لافتا إلى قيام المدرسة والمسجد والكنيسة بدورها، لاصلاح القيم الاخلاقية المجتمعية، لافتا إلى أن الامر بحاجة لاستراتيجية وطنية يتبناها رئيس الجمهورية، لتعمل عليها كافة الجهات .

شارك المقال