د. حسنى ابوحبيب يكتب: ﻃﻒ اﻟﺼﺎﻉ

قال تعالى “ويلٌ للمطفيفين” (المطفيفين: 1).التطفيف كلمة تدل على النقص في الكيل أو الوزن وعدم الوفاء فيهما ، وهي مشتقة من الشيء الطفيف الذي لا يهتم به الناس لقلته ، وﺳﻤﻲ ﺗﻄﻔﻴﻒ اﻟﻤﻜﻴﺎﻝ تطفيفاً ﻷﻥ اﻟﺬﻱ ﻳﻨﻘﺺ ﻣﻨﻪ ﻃﻔﻴﻒ: ﺃﻱ ﻗﻠﻴﻞ ، ﻭﻃﻔﻒ ﻋﻠﻰ اﻟﺮﺟﻞ ﺇﺫا ﺃﻋﻄﺎﻩ ﺃﻗﻞ ﻣﻤﺎ ﺃﺧﺬ ﻣﻨﻪ.

وفي اﻟﺤﺪﻳﺚ الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: “إنما أنتم ﺑﻨﻮ ﺁﺩﻡ ﻃﻒ اﻟﺼﺎﻉ إن ﺗﻤﻠﺆﻭﻩ ، ﻟﻴﺲ ﻷﺣﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪ ﻓﻀﻞ ﺇﻻ ﺑﺪﻳﻦ ﺃﻭ ﻋﻤﻞ ﺻﺎﻟﺢ، ﺣﺴﺐ اﻣﺮﺉ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﺎﺣﺸﺎ ﺑﺬﻳﺌﺎ ﺑﺨﻴﻼً ﺣﻼﻓﺎً”(المعجم الكبير للطبراني). ﻗﺎﻝ اﺑﻦ اﻷﺛﻴﺮ: اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻛﻠﻜﻢ ﻓﻲ اﻻﻧﺘﺴﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺃﺏ ﻭاﺣﺪ ﺑﻤﻨﺰﻟﺔ ﻭاﺣﺪﺓ ﻓﻲ اﻟﻨﻘﺺ ﻭاﻟﺘﻘﺎﺻﺮ ﻋﻦ ﻏﺎﻳﺔ اﻟﺘﻤﺎﻡ ، ﻭﺷﺒﻬﻬﻢ ﻓﻲ ﻧﻘﺼﺎﻧﻬﻢ ﺑﺎﻟﻜﻴﻞ اﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﺒﻠﻎ ﺃﻥ ﻳﻤﻸ اﻟﻤﻜﻴﺎﻝ ، ﺛﻢ ﺃﻋﻠﻤﻬﻢ ﺃﻥ اﻟﺘﻔﺎﺿﻞ ﻟﻴﺲ ﺑﺎﻟﻨﺴﺐ ﻭﻟﻜﻦ ﺑﺎﻟﺘﻘﻮﻯ.

ﻭﻓﻲ ﺣﺪﻳﺚ ﺁﺧﺮ يقول صلى الله عليه وسلم: “ﻛﻠﻜﻢ لآدم وحواء كطف اﻟﺼﺎﻉ ﺑﺎﻟﺼﺎﻉ” (شعب الإيمان). ﺃﻱ ﻛﻠﻜﻢ ﻗﺮﻳﺐ ﺑﻌﻀﻜﻢ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ ﻓﻠﻴﺲ ﻷﺣﺪ ﻓﻀﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﺘﻘﻮﻯ ﻷﻥ ﻃﻒ اﻟﺼﺎﻉ ﻗﺮﻳﺐ ﻣﻦ ﻣﻠﺌﻪ ﻓﻠﻴﺲ ﻷﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﺮﺏ اﻹﻧﺎء ﻣﻦ اﻻﻣﺘﻼء، ﻭﻳﺼﺪﻕ ﻫﺬا ﻗﻮﻟﻪ صلى الله عليه وسلم: “اﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﺗﺘﻜﺎﻓﺄ ﺩﻣﺎﺅﻫﻢ”.

والتطفيف على وجه الحقيقة ليس قاصراً على المكيل أو الموزون او البيع والشراء فقط بل هو يشمل كل معاملات الإنسان لكن غالباً عندما يصل مصطلحه إلى مسامع الكثيرين من الناس ، فإن أول صورة ترد على أذهانهم صورة ذلك البائع الذي يطفف في كيله أو ميزانه ، في حين أن ﻛﻞ ﻣﻜﻠﻒ هو ﺻﺎﺣﺐ ﻣﻮاﺯﻳﻦ ﻓﻲ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻭﺃﻗﻮاﻟﻪ ﻭﺧﻄﺮاﺗﻪ ﻓﺎﻟﻮﻳﻞ ﻟﻪ ﺇﻥ ﻋﺪﻝ ﻋﻦ اﻟﻌﺪﻝ ﻭﻣﺎﻝ ﻋﻦ اﻻﺳﺘﻘﺎﻣﺔ.

والتطفيف أسوأه ما وقع من العبد لربه ومولاه ، فالذي لا يحسن أداء صلاته بعدم إتمام ركوعها وسجودها مطفف مع ربه ، وفي الأثر عن سيدنا سلمان أنه كان يقول: الصلاة مكيال فمن وفٌى وُفٌي له ، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ﻭجاء عن سيدنا ﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ أنه ﻗﺎﻝ ﻟﺮﺟﻞ: ﻣﺎ ﺣﺒﺴﻚ ﻋﻦ ﺻﻼﺓ اﻟﻌﺼﺮ؟. ﻓﺬﻛﺮ ﻟﻪ ﻋﺬﺭاً ﻓﻘﺎﻝ له: لقد ﻃﻔﻔﺖ. أي لم تؤدي حق ربك كاملاً.

لذا جاء النهي مراراً من رسولنا الكريم عن النقص أو الزيادة في العبادات ، فعندما جاءه رجل يسأله عن الوضوء ، توضأ صلى الله عليه وسلم أمامه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: “هكذا الوضوء فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم” (سنن أبي داود). كما نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الصلاة ، فقال: “ﻻ ﻏﺮاﺭ ﻓﻲ ﺻﻼﺓ ﻭﻻ ﺗﺴﻠﻴﻢ” (رواه الحاكم في المستدرك).

ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻋﺒﻴﺪ: اﻟﻐﺮاﺭ ﻓﻲ اﻟﺼﻼﺓ اﻟﻨﻘﺼﺎﻥ ﻓﻲ ﺭﻛﻮﻋﻬﺎ ﻭﺳﺠﻮﺩﻫﺎ ﻭﻃﻬﻮﺭﻫﺎ ﻭﻫﻮ ﺃﻥ ﻻ ﻳﺘﻢ ﺭﻛﻮﻋﻬﺎ ﻭﺳﺠﻮﺩﻫﺎ. ﻭﺃﻣﺎ اﻟﻐﺮاﺭ ﻓﻲ اﻟﺘﺴﻠﻴﻢ فكأن يقال ﻟﻪ: اﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ، ﻓﻴﺮﺩ ﻋﻠﻴﻪ اﻵﺧﺮ: ﻭﻋﻠﻴﻜﻢ. فقط.

كما يدخل التطفيف سائر معاملات الإنسان مع غيره ، فإما أن يكون فيها وفيّاً أو مطففاً ، إذ إن الآية الكريمة ليست قاصرة على البيع والشراء فقط ، بل إن معناها أشمل وأوسع من ذلك بكثير بحيث تشمل جميع معاملات الناس ، فكل من يأخذ أكثر منا هو له ، فهو مطفف مستحق للويل ، كما أن كل من يعطي أقل مما هو عليه ، فهو كذلك مطفف.

من هنا قيل: ﺗﺮﻙ اﻟﻤﻜﺎﻓﺄﺓ ﻋﻠﻰ اﻟﻬﺪﻳﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﻄﻔﻴﻒ.ما أريد قوله هو: أن ذلك القول الكريم ليس قاصراً على البائعين فقط بل إن معناه أشمل وأعم بكثير ، فالزوج الذي يريد من زوجته أن تعطيه حقوقه كاملة ، وهو في المقابل يظلمها ويبخسها حقها هو مطفف.

والموظف الذي يتقاضى راتبه كاملاً غير منقوص ، وهو مع ذلك لا يقوم بإتقان عمله وتجويده ولا يلتزم بمواعيده ، هو كذلك من جملة المطففين.

وكذا المدرس الذي يأخذ حقّه كاملاً من الدولة ، وهو يهمل طلابه وتلاميذه ، ولا يراعي ضميره فيما وُكّل إليه من عمل ، داخل في جملة ذلك الصنف الهالك.

والطبيب الذي لا يحافظ على مواعيد دوامه في مشفاه ، ويترك المرضى لا سيما من الفقراء فى المستشفيات العامة ، ويذهب لعيادته الخاصه ليرعى ويهتم بمن يدفعون له هو من أقبح المطففين الذين وعدهم الله بالويل وإن صلوا وصاموا.

المطفف هو ذلك القاضي الذي لا يراعي الله تعالى في أحكامه ، ويميل عن الحق لغرض في نفسه ، أو يعطي الحق غير أهله لمنفعة تعود عليه.

المطفف هو ذلك الموظف الذي يعطل مصالح العباد ، ويهمل شئون البلاد.
المطفف هو ذلك المسئول الذي يراعي القرابة والمحسوبية في تعيين الناس في الوظائف العامة ويقدم من لا يستحق على من يستحق ، فهذا من أقبح المطففين ، الذين لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً حتى يدخلهم ذلك الوادي من جهنم ،

لمٌا ولٌى سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان على الشام ، قبل أن يخرج وقف في وجهه قائلاً له: يا يزيد لقد وليتك الشام وأعلم أن لك قرابة فيها ، فإياك أن تؤثرهم بالإمارة ، وهذا أخوف ما أخاف عليك ، فقد سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ﻣﻦ اﺳﺘﻌﻤﻞ ﺭﺟﻼً ﻋﻠﻰ ﻋﺼﺎﺑﺔ (أي جماعة) ﻭﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻌﺼﺎﺑﺔ ﻣﻦ ﻫﻮ ﺃﺭﺿﻰ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﻨﻪ ﻓﻘﺪ ﺧﺎﻥ اﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ ﻭﺟﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم.

المطفف هو كل شخص يريد من كل أقاربه أن يهتمّوا به ويسألون عنه ، وهو فى المقابل قاطع لهم مهمل لحقوقهم.

‏المطفف هو كل صاحب عمل يعطى الفرص والحوافز لأشخاص بعينهم ويحرم منها عموم العاملين لأغراض فى نفسه ، وكأن المال مال أبيه أو مال أمه.

“ويل للمطفيفين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين “.

جعلنا الله تعالى وإياكم من المقسطين المحسنين الأبرار ، ووقانا الله تعالى وإياكم التطفيف في كل شيء.هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

شارك المقال