وائل عبد الفتاح الغبيسي يكتب : دعوة ملكية

وائل الغبيسي

 

خطاب مشفوع بخاتم ملكي في يديه.  يقرأه مرات حتى يحفظه عن ظهر قلب. يداعب قلبه أمل طويل ونصر مؤزر على الشامتين حيث يقولون:

–           لو نجح البغل لنجحت أنت!

–           خايب بلده خايب بلد الناس

–           بكرة نقعد على الحيطة ونسمع الزيطة.

ولكنه الآن على موعدة مع العاهل السعودي نفسه في قصره المنيف بالرياض.. ولا ريب أن ذلك رد كاف على الحاقدين منذ نعومة أظافره. سيرون ذلك رأي العين، ويتميزون غيظًا؛ فهو مدعو للإقامة الدائمة كمواطن سعودي من أصل مصري تُسبغ عليه الجنسية وآي النعم. توشك أن تتلقفه المملكة كأديبها الأول وقاصها الأريب الذي تترامي أمامه الأقلام، وتصدح به الأصوات والقنوات.

ما بال الرحلة بالطائرة تطول وقد قيل له أنها لا تجاوز الثلاث ساعات ونصف الساعة؟! تُرى من بانتظاره بالمطار؟ لا شك لديه أن الصالة ستخلو له إذا ما هبطها، وطنين الموظفين سيعلو على أزيز الطائرات. سيتبارى الكل لخدمته وتقديم فروض الولاء قبل مقدم أحد الوزراء لاستقباله إن لم يكن ولي العهد نفسه. تنطرح من يديه الدعوة الملكية عقب مرور المضيفة الجوية بصينية الغداء، فيتناول منها ما يفي جوعته. وسرعان ما يدهمه سبات الذكريات.

منذ سبع سنوات غادر المملكة مخلفًا الكثير من مقتنياته عند رفيقيه المصري واليمني. لقد استودع الله كل تلك الأشياء، ولا شك لديه أنها بانتظاره حال رجوعه. كانت لحظات خروجه من المملكة تنضح بالأسى الممزوج بالضيم مع عزوف الكثير عن توديعه حرصًا على أعمالهم هناك خلا أحد الرفاق – من صعيد مصر – اصطحبه للمطار ليدرك طائرته.

ها قد تبدل الحال، وتبددت الغيوم، وجاء اليوم الذي يعود فيه شاهرًا سيفه. ترى أي مصير سيلاقيه نواف الغبيسي إن تحدث مع العاهل حول صفقاته المشوبة بالإجرام؟! إنها لحظات انتصار حقيقية، ولكنه سامح وصفح فيما يلي حقه، ولا يحسن به التراجع. يبقى إذن حق العباد فما عنه من محيص. يعلو صوت الميكروفون منوهًا ” باق دقائق ونهبط بسلامة الله أرض الرياض”.

 تعلو ضربات قلبه وتنخفض منذرًة بسعادة قد لا يتحملها. يلهج لسانه: الحمد لله.. الحمد لله” تتربص به – على الرغم من ذلك – شوارد شيطانية ” لن تمكث طويلًا فلا تفرح” وتهبط الطائرة، فيرتب أوراقه حتى لا يتسرب منه الوقت سدى، ولكنه فوجئ بأن الجميع بانتظاره، والكل يعرفه. 

يتلقاه الوفد الملكي. ينطلق من الطريق ذاته الذي سلكه وهو فار كسير القلب يطارده أتباع نواف بالرصاص بغية دفنه في الرمال. يتذكر تلك التبة، وذلك الجبل، وهذه العطفة بين الوديان، ولكن شتان بين الأمريين. يقترب من القصر الملكي. ولكنه آل ألا يطأ قدمه عتباته قبل أن يلقى رفاقه المحبين: محمد الشافعي، وعبد السلام العبدلي، ورفيقه للمطار أبو محمد السوهاجي، ولكنهم ليسوا هناك؛ فلقد نال منهم العسر الاقتصادي الذي يلحق جل المغتربين فيدهكهم. تدمع عينيه رفقًا وتحسرًا.

يسير لنفس الموضع الذي استودع فيه مقتنياته، فيجدها كما هي كيوم فارقها منذ سنوات خلت. يجمعها فيودعها السيارة الملكية، وينطلق الركب.

 

شارك المقال