Site icon بوابة العمال

م. خالد محمود خالد يكتب : غياب الدول العربية في 1947 سر مأساة الشرق الأوسط بقرار التقسيم

في مثل هذا اليوم من عام 1947، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا غير مسبوق، عرف لاحقًا باسم قرار التقسيم رقم 181. كان القرار ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، ووضع القدس تحت إدارة دولية. هذه اللحظة شكلت الشرعية الدولية لتأسيس دولة إسرائيل عام 1948، ومهدت لسلسلة من الأحداث التي قلبت موازين القوى في الشرق الأوسط. لكن إذا تصورنا سيناريو افتراضي، لو كانت جميع الدول العربية آنذاك مستقلة وشاركت في التصويت بالرفض، فكيف كان سيبدو التاريخ؟

في واقع عام 1947، لم تكن معظم دول شمال أفريقيا والخليج العربي وليبيا وتونس والجزائر مستقلة بعد، بل كانت تحت الاحتلال الفرنسي أو البريطاني، ولم تمتلك عضوية في الأمم المتحدة، لذلك لم يُسمح لها بالمشاركة في التصويت. الدول العربية المستقلة وقتها والتي شاركت كانت مصر والعراق وسوريا ولبنان والسعودية واليمن، وجميعها اتخذت موقف الرفض. لو كانت هذه الدول غير المستقلة آنذاك موجودة وشاركت، فإن كتلة الرفض كانت لتصبح أقوى وأكثر اتساعًا، من المغرب حتى الخليج، لتغير من توازن القوى في الجمعية العامة.

إضافة هذه الدول إلى صفوف الرافضين كانت لتحدث فرقًا جوهريًا. ففي التصويت التاريخي، حصل القرار على 33 صوتًا مؤيدًا مقابل 13 صوتًا رافضًا و10 ممتنعين. أما في السيناريو الافتراضي، فكان عدد الرافضين سيرتفع إلى 24 دولة، لتصبح نسبة المؤيدين من الأصوات الحاضرة حوالي 58% فقط، أي أقل من الثلثين المطلوبين لتمرير القرار. وبذلك كان القرار سيُرفض، مما كان سيؤجل تقسيم فلسطين ويدفع إلى إعادة النظر في خطة التقسيم أو البحث عن حل بديل.

إن رفض القرار بهذا السيناريو الافتراضي كان ليترك أثرًا كبيرًا على مسار الأحداث في المنطقة. تأجيل إقامة دولة إسرائيل كان يعني استمرار الانتداب البريطاني لفترة أطول، وربما مزيدًا من المفاوضات الدبلوماسية، في وقت كانت فيه الهجرة اليهودية المنظمة تسعى لبناء مؤسسات الدولة الجديدة. كما كان يمكن للوحدة العربية الموحدة أن تضيف قوة ضغط سياسية كبيرة، تؤثر على الموقف الدولي تجاه فلسطين وتعيد تشكيل أولويات القوى الكبرى في المنطقة. حتى ديناميكيات النزاع لاحقًا في عام 1948 كانت لتختلف، وربما تغيرت مجريات الأحداث على الأرض بشكل جذري.

ما يثير الاهتمام في هذا السيناريو هو أن التاريخ لا يسجل فقط اللحظات التي حدثت، بل أيضًا تلك اللحظات التي لم تحدث. غياب العديد من الدول العربية المستقلة عن الجمعية العامة في عام 1947 كان عنصرًا حاسمًا سمح بمرور قرار التقسيم، وغيابها في التصويت كان ليعيد كتابة تاريخ الشرق الأوسط بالكامل. هذا التفكير الافتراضي يوضح أهمية الوحدة السياسية والتمثيل الدولي في رسم مصائر الشعوب، ويظهر مدى قوة الدول الصغيرة والمتوسطة حين تتحد حول قضية حيوية تمس مستقبلها.

Exit mobile version