Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: وعود تلمع في الكواليس وتسقط عند أبواب البرلمان فجأة

في عمق المشهد السياسي، تبرز أحيانا ظواهر تستدعي التأمل، لعل أبرزها ما يمكن تسميته ب “سيكولوجية الوعود السياسية” التي تسبق تشكيل المجالس النيابية، وما تداولته الأوساط مؤخرا حول خيبة الأمل التي أصابت عددا من الكوادر السياسية، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول آليات اختيار النخب التشريعية ومعايير الالتزام بالوعود داخل الكيانات الحزبية.

تشير المعطيات إلى وجود مجموعة من الشخصيات التي كانت تعول بشكل كامل على وعود بتمثيل نيابي، وقد مرت هذه التوقعات بأربع محطات مفصلية لم تسفر أي منها عن نتيجة ملموسة، بدأت هذه الرحلة من محاولة حجز مقعد في قوائم مجلس الشيوخ، ثم ترقب التعيينات الخاصة بذات المجلس، لتنتقل التوقعات بعد ذلك إلى قوائم مجلس النواب.

وصولا إلى المرحلة الأخيرة المتمثلة في تعيينات رئيس الجمهورية، إن حالة الانتظار الطويل، وما صاحبها من استعدادات معنوية برزت في الحضور الفعلي أمام أروقة البرلمان بملابس رسمية كاملة، تعكس فجوة عميقة بين الترتيبات الشخصية والواقع السياسي الفعلي.

هذا التباين الحاد بين “الوعد الممنوح” و”النتيجة المعلنة” يضعنا أمام تحليل دقيق لطبيعة التحالفات السياسية، التي قد تستخدم الوعود أحيانا كأداة للتحفيز أو الاحتواء المؤقت دون وجود ضمانات حقيقية للتنفيذ.

وراء كل اسم لم يعلن، حكاية شخصية لم ترو، بعض من انتظروا لم يكونوا مجرد طامحين إلى مقعد، بل كانوا قد أعادوا ترتيب حياتهم على افتراض أن الوعد السياسي يعني شيئا، مكالمات لم تجب، أيام مرت ببطء، ونظرات تتعلق بشاشات الأخبار كأنها تحمل مصيرا شخصيا، لا قرارا إداريا.

هنا تتحول السياسة من لعبة مواقع إلى تجربة نفسية قاسية، لا تظهر في البيانات الرسمية، وربما الأخطر في كل هذا ليس ضياع المقعد، بل تآكل الثقة، حين يتكرر الوعد ثم يتبخر، لا يخسر الأفراد فقط، بل يخسر المجال العام نفسه جزءا من مصداقيته.

السياسة التي تدار بالانطباعات أكثر من القواعد، تنتج نخبة متوترة، لا واثقة، وتدفع الكفاءات إما إلى الصمت أو إلى الهامش، المفارقة الكبرى تجلت عند إعلان الأسماء الرسمية عبر الوسائل الإعلامية، حيث تبين أن المقاعد المحجوزة قد ذهبت لأسماء وتوازنات أخرى.

مما وضع أصحاب “الوعود الذهبية” في موقف المتابع من بعيد لمشهد كانوا يعتقدون أنهم أبطاله، هذا المشهد، بما يحمله من دلالات، يشير إلى تعقيدات العمل الحزبي والبرلماني التي قد لا تعترف دائما بالاتفاقات الشفهية أو الانطباعات الأولية.

فإن ما جرى لا يمثل مجرد واقعة فردية لعدد محدود من الأشخاص، بل هو درس سياسي حول ضرورة مأسسة الوعود السياسية، وأهمية أن تكون المشاركة في الشأن العام مبنية على قواعد مؤسسية واضحة، بعيدا عن المراهنات التي قد تنتهي بصفر كبير يتناقض مع حجم الطموحات والتوقعات.

Exit mobile version