آراء

د.فتحي حسين يكتب: حين يعلو الهدف على الدم… سقطة عمرو أديب لا تليق

في لحظات بعينها، يختبر الإعلامي لا بقدرته على الصراخ، بل بقدرته على الصمت. لا بحماسه، بل بحسّه الإنساني. تلك اللحظة تحديدا هي ما سقط فيها عمرو أديب، لا كاسم عابر على الشاشة، بل كأحد أكثر إعلاميي “التوك شو” حضورًا وخبرة في المشهد المصري.

كانت مصر، يومها، في حالة حداد غير معلن.

حادثة مروعة على طريق المنيا، طريق صار مرادفًا للموت المجاني، أودت بحياة أحد عشر مواطنًا، شبابا ورجالًا خرجوا ولم يعودوا. بيوت أُغلقت على الفقد، وقلوب معلّقة بسؤال واحد: إلى متى تستمر هذه الطرق في حصد الأرواح؟

على الشاشة، مراسل من موقع الحادث، ينقل التفاصيل بصوت مثقل بالأسى، يحاول أن يحكي عن الضحايا باعتبارهم بشرا لا أرقامًا. وفي الأستوديو، كان التواصل قائما، والمشهد واضحًا، والسياق لا يحتمل أي انفعال خارج الحزن. لكن فجأة، وبلا مراعاة للتوقيت أو للمشهد، ارتفع الصوت صارخًا: جول! هدف لمنتخب مصر!

هدف أحرزه محمد صلاح في كأس الأمم الإفريقية.

لم تكن المشكلة في الهدف، ولا في محمد صلاح، ولا في فرحة المصريين بكرة القدم. المشكلة كانت في اللحظة. في كسر السياق. في تجاهل أن هناك دمًا لم يجف بعد، وأسرًا لم تتلقَّ العزاء. فالإعلام ليس نشرة مشاعر متقلبة، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون عرضًا مباشرا.ما حدث كان سقطة مهنية واضحة.سقطة لأن المأساة لا تُقاطع بالاحتفال.

وسقطة لأن الشاشة في لحظات الحزن يجب أن تكون مساحة للتعاطف، لا للضجيج.

وسقطة لأن من أخطأ ليس مبتدئًا، بل إعلامي خبر المهنة لأكثر من ثلاثين عامًا، ويدرك جيدًا معنى التوقيت وقيمة الإحساس العام.

ولهذا جاءت السقطة موجعة؛ لأنها صدرت ممن يُفترض أنهم الأكثر وعيًا وحدودًا. فالإعلامي المتمرس لا يُحاسَب فقط على ما يقول، بل على ما يشعر به الناس وهو يقوله.

غير أن الإنصاف يقتضي القول إن عمرو أديب تدارك خطأه.

خرج واعتذر للشعب المصري، معترفًا بأن ما حدث لم يكن يجب أن يحدث. والاعتذار، في زمن نادر الاعتراف، يُحسب له، وإن كان لا يمحو أثر اللحظة، لكنه يعيد التذكير بأهمية المراجعة والمساءلة.

القضية في جوهرها أوسع من شخص واحد. هي درس للإعلام كله:أن الفرح له وقته،وأن الحزن له قدسيته،وأن المهنية الحقيقية لا تُقاس برفع الصوت، بل بخفضه حين يستدعي الموقف ذلك.فحين يعلو الهدف على الدم، لا نكون أمام زلة عابرة، بل أمام إنذار مهني يجب ألا يُنسى.

زر الذهاب إلى الأعلى