آراء

يوسف عبداللطيف يكتب : المحاسبة الوطنية طريق الانقاذ

التعديل الوزاري ليس مجرد عبارة سياسية عابرة تتصدر العناوين ولا خبرا بروتوكوليا يمر مرور الكرام، بل هو لحظة اختبار حقيقية لضمير الدولة وقدرتها على مواجهة ذاتها بصدق وشجاعة، في زمن تتكالب فيه الازمات الاقتصادية وتتزايد فيه اعباء الغلاء على كاهل العامل المصري الذي بات يدفع ثمن اخطاء لم يكن شريكا في صناعتها ولا مستفيدا من نتائجها، فلماذا يدفع العامل الثمن بينما يخرج الفشل بلا حساب؟

التعديل الوزاري في تقديري ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة لا معنى لها اذا لم ترتبط بالمحاسبة العلنية والتقييم الواضح والاعتراف الصريح بمواطن الخلل، فالدول لا تنهض بتغيير الاشخاص فقط بل بتغيير المنهج الذي يحكم اداء السلطة التنفيذية ويربط المنصب العام بالنتائج لا بالثقة المجردة ولا بالاستمرار بحكم العادة.

نحن نعيش ازمة اقتصادية مكتملة الاركان تشهد عليها الارقام الرسمية قبل شكاوى المواطنين، ارتفاع اسعار، تراجع القدرة الشرائية، ضغط غير مسبوق على الطبقة العاملة، اضطراب في سوق العمل وتآكل في دخول اصحاب الاجور الثابتة، وهذه حقائق موثقة في بيانات حكومية وتقارير برلمانية وملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات الذي سجل عبر السنوات الماضية وقائع اهدار مال عام ومخالفات ادارية جسيمة داخل وحدات محلية وهيئات خدمية انتهى بعضها باحكام قضائية نهائية ضد مسؤولين سابقين.

وسط هذا المشهد يقف العامل المصري الحلقة الاضعف دائما، اجتهد وانتج وصبر وتحمل سياسات قاسية ووعود مؤجلة بينما ظلت المحاسبة غائبة او مؤجلة، العامل لم يقرر سياسات الاقتراض ولم يدير المحليات ولم يهدر المال العام لكنه اول من يتحمل الغلاء واخر من يجني ثمار الاصلاح، وهنا تصبح العدالة الاجتماعية ليست شعارا بل استحقاقا وطنيا لا يحتمل التسويف

التعديل الوزاري يجب ان يكون رسالة طمأنة لا رسالة قلق، رسالة تقول للمواطن ان الدولة ترى وتسمع وتحاسب لا ان التغيير يتم في الغرف المغلقة بلا تفسير ولا اعلان اسباب ولا كشف نتائج تقييم الاداء، فاخطر ما يمكن ان يحدث هو خروج مسؤول من موقعه دون مصارحة الرأي العام بما جرى وكأن الازمة لم تكن وكأن الاخطاء لم تقع

لقد كشفت السنوات الماضية عبر احكام محاكم وبيانات رسمية عن وقائع فساد مؤكدة في بعض الادارات المحلية شملت استيلاء على المال العام وتربحا واستغلال نفوذ واهمالا ادى الى خسائر كبيرة، وهذه الوقائع لم تضر بهيبة الدولة بل العكس تماما، فان كشفها ومحاسبة مرتكبيها هو ما حفظ للدولة مصداقيتها وعزز ثقة المواطنين فيها، ومن هنا يصبح الصمت على الاخطاء مشاركة غير مباشرة فيها لا حيادا ولا حكمة.

ولا يمكن في هذا السياق تجاهل دور السوشيال ميديا التي تحولت الى مساحة تنفيس وغضب وابلاغ، صحيح انها ليست محكمة لكنها مرآة تعكس حجم الاحتقان حين تتكرر الشكاوى حول الفساد الاداري وسوء الخدمات وغياب المسؤولين، فان تجاهلها خطا سياسي فادح لانها انذار مبكر لا يجب كسره بل الاستماع اليه بعقل الدولة لا بعصبية السلطة

التعديل الوزاري الحقيقي هو الذي يعيد الاعتبار لفكرة المسؤولية السياسية ويؤكد ان المحافظ والوزير منصبان للتكليف لا للتشريف، وان البقاء مرهون بالاداء لا بالحصانة، وان العامل الذي يطالب بالصبر من حقه ان يرى في المقابل عدالة ومحاسبة وشفافية

انا اكتب هذا المقال لا ضد الدولة بل من قلبها، اكتب بدافع وطني خالص وبانحياز كامل لحق العامل في العيش الكريم وحق المواطن في المعرفة وحق الوطن في ادارة رشيدة لا تخشى المواجهة ولا تؤجل الحساب، لان الدول القوية لا تسقط حين تعترف باخطائها بل تسقط فقط حين تصر على انكارها

التعديل الوزاري اذا لم يقترن بالمحاسبة سيبقى مجرد تغيير وجوه، اما اذا ارتبط بالشفافية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال فسيكون خطوة حقيقية على طريق الانقاذ الوطني الذي نستحقه جميعا.

يوسف عبداللطيف يكتب : المحاسبة الوطنية طريق الانقاذ

زر الذهاب إلى الأعلى