آراء

م. خالد محمود خالد: البصمة الكربونية للمياه والخيار النووي

لم تعد أزمة المياه في عالم اليوم مشكلة فنية يمكن حلها بتوسيع محطات أو حفر آبار جديدة، بل أصبحت قضية تمس الأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي للدول. فالمياه لم تعد موردًا طبيعيًا متاحًا كما كان في السابق، وإنما عنصرًا أساسيًا في الإنتاج الزراعي والصناعي وفي حياة المدن الحديثة. ومع تزايد الطلب على المياه وتراجع قدرة المصادر الطبيعية على تلبية هذا الطلب، أصبح الاتجاه إلى تحلية مياه البحر هو المسار الواقعي الوحيد للتوسع المائي، وهو مسار تحكمه في جوهره مسألة واحدة: الطاقة التي تشغّله.

تحلية مياه البحر تحتاج إلى طاقة تعمل باستمرار، دون توقف، وبنفس الكفاءة لسنوات طويلة. وإذا كان هذا واضحًا من الناحية العلمية، فإن الجانب الاقتصادي لا يقل أهمية، لأن تكلفة الطاقة هي المكوّن الأكبر في سعر كل متر مكعب من المياه المحلاة. وكلما كان مصدر الطاقة متقلبًا أو مرتفع التكلفة، انعكس ذلك مباشرة على سعر المياه، وعلى قدرة الدولة على توفيرها دون أعباء متزايدة على الموازنة العامة أو على المواطن. ومن هنا، لا يصبح السؤال هو أي طاقة نستخدم، بل أي طاقة يمكن الاعتماد عليها بثبات لعقود قادمة.

عند هذه النقطة، تفرض الطاقة النووية نفسها كخيار استراتيجي لا مفر منه. فهي مصدر طاقة قادر على العمل على مدار الساعة، لا يتأثر بالطقس أو بتغير الفصول، ولا تخضع تكلفته لتقلبات حادة في الأسواق العالمية، لأن الوقود النووي يمثل جزءًا محدودًا من تكلفة التشغيل. هذه الخصائص تجعلها شريكًا مثاليًا لتحلية المياه، سواء باستخدام الكهرباء المنتجة لتشغيل محطات التناضح العكسي، أو باستخدام الحرارة الناتجة عن التوليد في نظم تحلية تعتمد على التبخير والتكثيف.

وتشير التقديرات الهندسية إلى أن منشأة نووية كبيرة القدرة يمكنها إنتاج كميات هائلة من المياه المحلاة سنويًا، تكفي لتغطية احتياجات مدن كاملة أو مناطق واسعة حتى عند تخصيص جزء محدود فقط من طاقتها لهذا الغرض.

ولا يقتصر الأمر على حجم الإنتاج فقط، بل يمتد إلى ما يُعرف بالبصمة الكربونية للمياه، وهو مصطلح قد يبدو تقنيًا، لكنه في جوهره بسيط. فالبصمة الكربونية تعني كمية الغازات الضارة التي تُطلق في الهواء أثناء إنتاج سلعة ما، وفي حالة المياه المحلاة، فهي تعكس مقدار التلوث الناتج عن الطاقة المستخدمة في تشغيل محطات التحلية. فعندما تُنتج المياه باستخدام الوقود الأحفوري، فإن كل متر مكعب منها يكون مرتبطًا بانبعاثات ناتجة عن حرق الغاز أو الوقود.

أما عند استخدام الطاقة النووية، فلا يحدث احتراق أثناء التشغيل، ما يعني أن المياه المنتجة تكون أقل تلويثًا للبيئة وتحمل معها تكاليف أقل غير مباشرة على الاقتصاد في المستقبل.

وهنا يظهر البعد الاقتصادي لهذا المفهوم البيئي، فالمياه ذات البصمة الكربونية المرتفعة قد تبدو رخيصة اليوم، لكنها تصبح أكثر كلفة غدًا مع فرض ضرائب على الانبعاثات أو قيود بيئية على الإنتاج والتصدير.

أما المياه المنتجة بطاقة نووية، فتبقى أكثر استقرارًا في تكلفتها، لأنها لا تحمل أعباء بيئية مؤجلة، ولا تُعرّض الدولة لمخاطر تشريعات مناخية مستقبلية قد ترفع كلفة الإنتاج فجأة.

من زاوية التنمية الشاملة، يسمح الدمج بين إنتاج الكهرباء وتحلية المياه في منظومة نووية واحدة بتحقيق أعلى استفادة ممكنة من الاستثمارات الكبرى، حيث تخدم البنية التحتية ذاتها أكثر من قطاع في وقت واحد. فالمياه المستقرة تدعم الصناعة والزراعة عالية القيمة، وتفتح المجال لإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة أقل اعتمادًا على الموارد المحدودة، وأكثر قدرة على الصمود أمام أي أزمات مائية محتملة.

وفي المقابل، فإن الاعتماد على مصادر طاقة غير مستقرة أو مرتفعة التكلفة لتحلية المياه يعني عمليًا استمرار إدارة الأزمة بدل حلّها.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى الطاقة النووية كخيار يمكن تأجيله أو استبعاده دون ثمن. فالعلم يفرض الحاجة إلى طاقة مستقرة، والاقتصاد يفرض الحاجة إلى تكلفة يمكن التنبؤ بها، والبيئة تفرض تقليل الأعباء المستقبلية. وعند تقاطع هذه المتطلبات الثلاثة، يصبح الخيار النووي ليس مجرد بديل من بين بدائل، بل ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لمن يسعى إلى تأمين المياه كركيزة أساسية للتنمية والاستقرار في العقود القادمة.

م. خالد محمود خالد: البصمة الكربونية للمياه والخيار النووي

زر الذهاب إلى الأعلى