يوسف عبداللطيف يكتب: الخامسة والنصف فجرا.. حين توقفت ساعة “القدوة” ورحل والدي

ثمة توقيتات في العمر لا تمر، بل تغرس أظفارها في ذاكرتنا إلى الأبد، بالنسبة لي، لم يعد الفجر يعني انبلاج الضوء، بل صار يعني ذلك الرنين البارد لهاتف شق سكون السحر في 23 يناير، كانت الساعة تشير إلى الخامسة والنصف تماما، وبينما كان المصلون يختمون صلاتهم، كان والدي، المربي الفاضل الأستاذ عبد اللطيف يوسف، يختم رحلته مع الدنيا، ليصعد إلى جوار رب كريم بعد 38 يوما من الوقوف على عتبة السماء في غرف العناية المركزة.
رحيل سادن الحروف في أسيوط، فلم يكن والدي مجرد كادر تعليمي في أسيوط، كان مؤسسة تمشي على قدمين، في بيوتنا الصعيدية، المعلم هو الأب الثاني.
وعبداللطيف يوسف كان الأب لكل من مر تحت يديه، هو جيل الزمن الجميل الذي كان يرى في التعليم رسالة مقدسة لا وظيفة، وفي الطالب أمانة لا رقما، رحل الرجل الذي علمنا أن الكرامة تبنى بالعلم، وأن السيرة الأطول من العمر هي وحدها ما يستحق العناء.
الـ 38 يوما، معركة الصمت الشجاع، لم يكن والدي يصارع المرض فحسب، خلف أبواب العناية المركزة، بل كان يعلمنا درسا أخيرا في الصبر، ثمانية وثلاثون يوما كانت كفيلة بأن ترينا كيف يذوب الجسد وتبقى الهيبة، كنت أنظر إليه وسط الأجهزة، فأرى فيه شموخ نخل الصعيد، لا ينكسر وإن أثقله الوجع، كانت تلك الأيام هي البرزخ الذي تهيأنا فيه لليتم، لكن هيهات أن يتهيأ قلب لفقد بوصلته.
جرس الهاتف واليقين المر، يقولون إن الموت حق، لكن رنة الهاتف في الفجر لها وقع القيامة الصغرى، حين جاء صوت التمريض هادئا، حاسما، وخاليا من العاطفة ليخبرني أن الأمانة ردت إلى صاحبها، شعرت أن جدران أسيوط كلها تميل، رحل الرجل الذي كان جرس بيتنا يضبط وقته على خطاه، ورحل من كان صوته في البيت يمنحنا الأمان الذي لا تشتريه كل ثروات الأرض.
رسالة إلى من رحل ولم يغادر، يا أبي، يا عبداللطيف يوسف، في ذكراك السنوية، أقول لك إن الصحف قد تحصي عدد الكلمات، لكنها لن تحصي حجم الفراغ الذي تركته، وقد تكتب الأقلام نصوصا منمقة، لكنها لن تشعر ببرد الصباح الذي سرقك منا، نحن لا نرثيك اليوم لأنك غبت، بل نحتفي بك لأنك أقمت فينا.
ستبقى في كل سبورة شخطت فيها حروفك، وفي كل تلميذ صار رجلا بفضل صرامتك الأبوية، وفي كل فجر سأظل أسمع فيه رنين الخامسة والنصف، ليس كإعلان موت، بل كإعلان لولادة ذكرى لا تموت.
يوسف عبداللطيف يكتب: الخامسة والنصف فجرا.. حين توقفت ساعة “القدوة” ورحل والدي







