كتبت : ميادة فايق
حذّر المركز المصري لحقوق المرأة من استمرار ما وصفه بـ«حلقة الفجوة المفرغة» التي تربط بين التعليم المنمّط للمرأة المصرية وتراجع مشاركتها الاقتصادية، في نمط هيكلي يعيد إنتاج الفجوة الجندرية جيلاً بعد جيل.
وأكد المركز، في تحليل موسّع استند إلى أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2024–2025)، أن المسار التعليمي للنساء والفتيات لا يزال يشكل نقطة الانطلاق الأساسية لاتساع الفجوة الاقتصادية، حيث يقود التعليم المنمّط إلى فرص عمل محدودة، ما ينعكس بدوره على ضعف الاستثمار المجتمعي والأسري في تعليم الفتيات، خصوصًا في المجالات غير التقليدية.
أوضح التحليل أن الفجوة الجندرية تبدأ منذ المراحل التعليمية الأولى، مع استمرار معدلات الأمية المرتفعة بين الإناث، والتي تبلغ 21.4% مقابل 12% بين الذكور، وهو ما يحرم شريحة واسعة من النساء من الحد الأدنى للوعي الحقوقي والقدرة على الاندماج في سوق العمل الرسمي.
ورغم تحقيق شبه تكافؤ في الالتحاق بالتعليم الأساسي، حيث تمثل الإناث 48.7% من إجمالي الملتحقين، تكشف البيانات عن انقسام حاد في المسارات التعليمية خلال المرحلة الثانوية، إذ تتفوق الفتيات في التعليم الثانوي العام بنسبة 54.78%، مقابل تمثيل محدود في التعليم الفني الأكثر ارتباطًا بالقطاعات الإنتاجية، لا سيما التعليم الزراعي (14.86%) والصناعي (33.92%)، مع تركّز واضح في التعليم التجاري والفندقي، بما يعزز حصر المرأة في أدوار خدمية ومكتبية تقليدية.
وفي التعليم العالي، ورغم وصول نسبة الإناث إلى 49.6% من إجمالي الطلاب، لا تزال الفجوة النوعية قائمة، حيث تهيمن النساء على الكليات النظرية بنسبة 56.6%، بينما يسيطر الذكور على الكليات العملية والتقنية بنسبة 54.3%، الأمر الذي يحدّ من فرص النساء في الوظائف التقنية والعلمية الأعلى أجرًا والأكثر طلبًا مستقبلًا.
ينعكس هذا المسار التعليمي المنمّط بشكل مباشر على مؤشرات سوق العمل، لتظهر فجوة جندرية صارخة في المشاركة الاقتصادية. فمعدل مشاركة المرأة في قوة العمل لا يتجاوز 16.9%، مقابل 70.3% للرجال.
ومن بين 32.041 مليون فرد يمثلون قوة العمل في مصر، لا تتجاوز مساهمة النساء 5.961 مليون، مقارنة بـ 26.080 مليون من الرجال. وعلى الرغم من تراجع معدل البطالة العام إلى 6.6%، إلا أن هذا الرقم يخفي تفاوتًا حادًا، حيث تبلغ بطالة الذكور 4.2% فقط، في حين تصل بطالة الإناث إلى 17.1%، أي أكثر من أربعة أضعاف.
وأشار المركز إلى أن هذه الأرقام تعكس عوائق هيكلية وتمييزية تواجه المرأة حتى بعد دخولها سوق العمل، ما يؤدي إلى إحباطها وخروجها منه، وهو ما يفسر انخفاض معدل المشاركة من الأساس.
حلقة مفرغة تُعيد إنتاج التمييز
وأوضح التقرير أن حصر الفتيات في تخصصات نظرية وإدارية يضيّق خياراتهن المهنية، ويجعلهن أكثر عرضة للبطالة في سوق شديد التنافس، وأقل حضورًا في قطاعات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) ذات النمو المرتفع.
كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الخاصة بمصلحة الخبراء بوزارة العدل، أن نسبة الخبيرات لا تتجاوز 34.9%، وتنخفض إلى 23.2% في التخصص الزراعي، وهو ما يعكس ضعف التحاق النساء بالتعليم الفني الزراعي منذ البداية.
وأكد المركز أن البطالة المرتفعة والمشاركة الاقتصادية المحدودة تعززان الصور النمطية المجتمعية التي تقلل من جدوى الاستثمار في تعليم الفتيات، خصوصًا في المجالات غير التقليدية، لتستمر الحلقة المفرغة دون كسر.
وفي هذا السياق، صرحت نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، قائلة:
«بمناسبة اليوم الدولي للتعليم، تتحدث الأرقام بوضوح لا لبس فيه. لقد حان الوقت للانتقال من التركيز على كمّ تعليم المرأة إلى جودته ونوعيته. فالتعليم النوعي هو الممر الإلزامي لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة وحقيقية. لا يمكن لمجتمع أن يطير بجناح واحد؛ والاستثمار في تعليم المرأة تقنيًا ومهنيًا وعلميًا هو استثمار في مستقبل الأمة كلها».
دعوة لكسر الحلقة المفرغة
واختتم المركز تحليله بالدعوة إلى تبني سياسات متكاملة لكسر هذه الحلقة، تشمل:
تحفيز اختيارات تعليمية غير تقليدية للفتيات، عبر برامج إرشاد وحوافز لدمجهن في مجالات STEM والتعليم الفني منذ المرحلة الثانوية.
إصلاح بيئة سوق العمل من خلال تشريعات فعالة لمكافحة التمييز، وتعزيز بيئات عمل صديقة للأسرة.
ربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، عبر إعادة هيكلة التعليم الفني والجامعي بالشراكة مع القطاع الخاص.
تمكين المرأة الريفية ببرامج تجمع بين محو الأمية، والتعليم الفني الزراعي، وفرص الإقراض.
وأكد المركز أن معالجة الفجوة التعليمية النوعية تمثل المدخل الحقيقي لمعالجة الفجوة الاقتصادية الهيكلية، ودفع مسار النمو والعدالة الاجتماعية في مصر.

