كتب: محمد حربي
الأحلام الكبيرة تبدأ بفكرة؛ وقد أطلق شرارتها الأولى شريف فتحي- وزير السياحة والآثار، وحرك المياه الراكدة، بأنه حان الوقت لتحويل مصر لقبلة بحثية في علم المصريات” الايجيبتولوجي”، أمام جمع كبير من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين في علم الآثار، خلال مؤتمر “الآثار والتراث.. قوة مصر الناعمة”، والذي نظمته الوزارة، تزامنًا مع الاحتفال بعيد الأثريين المصريين، والذي يوافق 14 يناير من كل عام.
وقد التقطت ” العمال” الفكرة، لتستطلع آراء عدد من الأكاديميين والمتخصصين في علم الآثار، للتعرف على كيفية تحويل مصر إلى قبلة بحثية في علم المصريات، وها هي مقترحاتهم وحلولهم، لرسم خريطة الطريق .
من جانبه أكد الدكتور ممدوح الدماطي- أستاذ علم المصريات بقسم الآثار بكلية الآداب جامعة عين شمس، ووزير الآثار الأسبق، أنه من أجل أن تصبح مصر قبلة بحثية لعلم المصريات ” الايجبتولوجي”، فمطلوب تطوير العملية التعليمية، وفي نفس الوقت ضرورة التعاون الوثيق ما بين التعليم العالي، والمجلس الأعلى للآثار، بحيث يكون هناك تعاوناً مستمراً في العمل الأثري.
وقال الدكتور ممدوح الدماطي: بإنه لابد من عمل مدرسة أثرية خاصة وقوية، وهذه لن تتأتى إلى بالتعاون بين التعليم العالي والمجلس الأعلى للآثار، وهما يستطيعان بناء المدرسة الأثرية المصرية.
وأشار الدكتور ممدوح الدماطي، إلى أنه من المهم البدء بما هو متاح، مخصصات البحث لوضع القدم على الطريق، موضحاً أنه لا يهم أن تكون المنافسة القوية، حيث أنه لن تكون قوياً، إلا إذا نافست قوياً.
وأضاف الدكتور ممدوح الدماطي، أن سر نجاح الخارج، يرجع إلى كونهم سبقونا منذ أمد بعيد، وعندهم ميزانية خاصة كبيرة للتعليم والبحث العلمي.
لافتاً إلى أنه قد تكون بحاجة لميزانية كبيرة، ولكنها ستأتي مع الوقت، ونحن نملك أعظم آثار العالم، ومصر بها أغنى آثار، ونحن لسنا كم فحسب.
ونوه الدكتور ممدوح الدماطي، إلى أن سر تأخرنا، يرجع إلى أن مصر كانت تحت الاحتلال، ولم تكن مصر صاحبة القرار، حتى أنه عند نشأة وزار الآثار الأولى، أو بمعنى آخر إدارة الآثار الأولى في عهد محمد علي، تم إغلاقها في عام 1850، وبعدها تم عمل إدارة جديدة، أنشأها مريت، والفرنسيين1858، وظلت لمدة 90 عاماً، لا يتم تشغيل المصريين بها
وتحدث الدكتور ممدوح الدماطي، عن تجربة أحمد باشا كمال عندما أراد العمل في الآثار، ورفض الأجانب تشغيله كأثري، وعمل معهم كمترجم، لأنهم حاولوا أن يقصروا علم الآثار عليهم هم فقط.
وشدد الدكتور ممدوح الدماطي، على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار، أننا بدأنا متأخراً، لذا من الطبيعي، أن تأخذ وقتاً حتى تقف على قدميك، وفي نفس الوقت بدأت في ظل وجود معاناة من محن كثيرة في مصر.
وقد أعرب الدكتور ممدوح الدماطي، عن تفاؤله بأن خطوة تحويل لقبلة بحثية لعلم المصريات، قد اقتربت، وبالفعل الخطوة الأولى بدأت، والمدارس المصرية بدأت بقوة، وهناك تخصصات جديدة، وإن كان الوقت سوف يكون طويل شيئاً ما، بسبب التكلفة المرتفعة.
ومن جانبه ثمن الدكتور علي عبدالحليم- مدير المتحف المصري بالتحرير، فكرة وزير السياحة والآثار في التركيز على أهمية العمل على تحويل مصر إلى قبلة بحثية لعلم المصريات ” الإيجيبتولوجي”، الذي ظل حكراً على الدول الغربية، والأجنبية الأخرى، موضحاً أن البداية الحقيقية لهذا العلم، كان موطنه فرنسا، بالتزامن مع الكشف عن رموز حجر رشيد؛ ثم بدأ ينتقل إلى أوروبا، وأمريكا، وغيرها؛ حتى أصبحت هناك مدارس فرنسية، وألمانية بحثية في علم المصريات، التي تتناول الحفائر، وعلم توثيق الآثار؛ لافتاً إلى أنه حان الوقت، أن تكون هناك مدرسة مصرية، تكون قبلة للباحثين في هذا العلم.
وقال الدكتور علي عبدالحليم: إن البداية الحقيقية لهذه الفكرة، تنطلق من بناء جيل للباحثين المصريين، يكونوا نواة لمدرسة مصرية خالصة؛ موضحاً أن هذا لا يعني بالضرورة، الاستغناء عن المدارس الأجنبية البحثية؛ وانما يكون هناك نوعاً من التنوع؛ وإبراز البصمة الوطنية للبحث العلمي المصري، باعتبار أن المصريين هم الأقدر على فهم دراسة آثارهم؛ التي تنبض بالروح المصرية القديمة.
وأوضح الدكتور علي عبدالحليم، أن هناك العديد من المقومات، التي يمكن البناء عليها لتحقيق حلم تحويل مصر إلى قبلة بحثية لعلم المصريات ” الإيجيبتولوجي”، وفي مقدمتها طرح وزير السياحة والآثار، لهذه الفكرة أمام مؤتمر للمتخصصين في الشأن الأثري ” “، ولذي يمثل واحداً من سلاسل الاجتماعات المستمرة والمتواصلة، بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والمجلس الأعلى للآثار، في المجال الأثري؛ مشيراً إلى أن ذلك يمنح الفرصة للجانبين في مناقشة كافة الجوانب المتعلقة بالدراسة، ومدى إمكانية التطوير، وادماج أفضل الأساليب الحديثة تكنولوجياً، مع استفادة المجلس الأعلى للآثار بالخبرات الأكاديمية لأساتذة الجامعات، وخاصة في الأبحاث، التي يكرسون حياتهم من أجلها، ويخرجوا فيها بنتائج، للأسف الشديد في كثير من الأحيان، يكون مصيرها الأرفف، أو الأدراج المغلقة، دون أن ترى النور للتطبيق والاستفادة منها في مجال الآثار؛ وبالتالي إذا نجحنا في حل هذه الإشكالية، نكون وضعنا أيدينا على أول آلية من آليات تمصير علم المصريات.
وأضاف الدكتور علي عبدالحليم، بأنه إلى جانب كل ذلك، فإنه من الضروري تمكين الشباب من العمل في المواقع الأثرية والمتاحف، مع التركيز على التمكن من اللغات، ومدى القدرة على المنافسة.
لافتاً إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار، أننا لم نبدأ بعد، وبالتالي فالمنافسة؛ قد تكون صعبة، وهي موجودة، ولابد منها؛ مشدداً على أنه يجب تكون البداية من الآن، ومهما كانت المنافسة قوية؛ والمهم الاستعداد الجيد، خاصة في زمن التكنولوجيا؛ حيث أنه بالإمكان مواكبة الأوروبيين؛ ولاسيما في مصر جيل من الشباب؛ الشين تعلموا في مدرسة الحفائر ويعملوا في المواقع الأثرية، ممن عندهم تخصص دقيق في الحفر، والتوثيق، وغيرهما.
ونوه الدكتور علي عبدالحليم، إلى أن هؤلاء الشباب يمكن أن يكونوا البذرة الأولى للمدرسة المصرية، بما لديها من ميزة تنافسية، لافتاً إلى التركيز على الأسس المنهجية؛ حيث هناك مدارس تحليلية، وأخرى وصفية بحتة، استنباطية، وفلسفية كالألمانية، وما عندها من عمق؛ لكونهم بنوا على الفلاسفة الأوائل، مثل نتشه، وغيره؛ وأن من الأهمية أن نبدأ من منهجية تتبنى فهم الروح الحضارة المصرية القديمة؛ حتى نستطيع اثبات وجودنا.
ومن جانبه أكد الدكتور هيثم صفوت- عميد كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة القاهرة، أنه من الطبيعي، أن مصر بقدراتها، وتاريخها، ورصيدها التراثي والأثري، أن تكون هي قبلة الباحثين في علم المصريات، أو ما يعرف باسم ” إيجيبتولوجي”، موضحاً أن وزير السياحة الآثار- شريف فتحي، كشفت عن إحساسه وشعوره بالغيرة، عندما يكون في زيارة خارج مصر، ويرى أن علم المصريات مزدهراً.
وقال الدكتور هيثم صفوت: إن هناك مقومات ضرورية لتحويل مصر إلى قبلة بحثية في علم المصريات، تحتاج بجانب وفرة الآثار، إلى العمل على توفير البيانات، وغيرها، من أجل جذب الراغبين في دراسة هذا العلم في مراكز البحث المصرية.
وأوضح الدكتور هيثم صفوت، أن وزير السياحة والآثار؛ قد أشار في سياق حديثه عن تطلعه لتحويل مصر إلى قبلة بحثية في علم المصريات، إلى أهمية وجود المكتبات، والمعلومات، وضرورة زيادة الاستثمارات في هذه الجوانب، بشكل أكبر مما هو عليه الحال في الوقت الراهن.
وأشار الدكتور هيثم صفوت، إلى أهمية الحاجة إلى المكتبة الرقمية، مع ضرورة تهيئة البيانات والمعلومات، لتكون قابلة للبحث في علم المصريات؛ بشكل يشجع الباحثين لاختيار مصر لدراسة علم المصريات؛ لافتاً إلى الحاجة لضخ مزيد من الاستثمارات في العديد من الآليات اللازمة لذلك؛ لافتاً إلى ما تمتلكه الدولة من مقومات وقدرات فنية، وإدارية، وربما المادية أيضاً، التي تساعد على الانطلاق في هذا المجال.
وأضاف الدكتور هيثم صفوت، بأنه هناك من المقومات الأساسية، التي يمكن وفقاً لها وصف الدولة، بأنها قد تحولت إلى قبلة بحثية في مجال من المجال، وفي مقدمتها، السيادة أو الريادة البحثية، والتي تعني، وجود علماء متخصصين، ولديهم أبحاث منشورة في مجلات علمية عالمية محكمة، مع وضع برامج متخصصة، وبلغات متخصصة، لجذب الراغبين في التعلم، وكذلك عمل منصات إلكترونية، تسمح بعرض البيانات، والمعلومات، التي يحتاجها الباحث، في أي علم، وعلى وجه التحديد علم الآثار، بشكل خاص.
وشدد الدكتور هيثم صفوت، على أهمية العمل على الميزة التنافسية للدولة، من أجل أن تصبح قبلة بحثية في علم المصريات، بفعل وجود الأثار بنسبة كبيرة في مصر.
ونوه الدكتور هيثم صفوت، إلى أن استراتيجية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وكذا استراتيجية الدولة 2030، تحث على التوجه نحو البحث البيني، وعلى المستوى العالمي؛ بحث أنه عند النظر إلى التطور في قطاع التعليم، سواء في متطلبات أعضاء هيئة التدريس، أو المتطلبات البحثية، أو دعم الحكومة في تسجيل براءات الاختراع، المادية واللوجستية، كلها توجهات حميدة، وأتت بثمار؛ قد تحتاج إلى مزيد من الوقت، حتى تظهر بشكل أكبر.
وقال الدكتور هيثم صفوت: إن الدولة حريصة على أن تولى البحث العلمي مزيداً من الاهتمام للبحث العلمي، بشكل يعطي لها القدرة التنافسية على مستوى العالم؛ وذلك من خلال الدعم المقدم للباحثين، والحوافز التشجيعية لهم، بما فيها التخفيف من عبء التكاليف البحثية، التي قد تكون رمزية في بعض الأحيان.
ونفى الدكتور هيثم صفوت، أن تكون الإشكالية الوحيدة في البحث العلمي، هي القدرات المادية، مستشهداً في ذلك، بأنه في أحيان كثيرة، قد يتم تخصيص موازنات للبحث، ولكن لا يتم انفاقها، مما يعني بأن هناك إشكاليات أخرى، تتعلق بكيفية توظيف المتاح من الإمكانيات، والمزيات المتاحة للباحثين؛ باعتبار أن الموضوع به جوانب أخرى، لا تتعلق بالماديات، أكثر من علاقتها القوة البشرية، ومدى القدرة على إعداد الباحث، مما يعني أن هناك العديد من الملفات الشائكة في هذا المجال؛ التي تحتاج إلى وضع استراتيجيات معينة في البداية، ثم تأتي مسألة الحديث عن الجوانب المادية، التي ليست هي وحدها كل الحكاية عند الحديث عن البحث العلمي.
ومن جانبه أكد الدكتور محسن صالح- عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة، بأن مصر تمتلك المقومات البشرية، وهي متوفرة بشكل كبير جداً، وهناك عشر كليات مصرية متخصصة في دراسة علم الآثار، على مستوى كافة العصور المختلفة، بداية من عصر ما قبل الأسرات، وحتى العصر الحديث، وما نحتاجه فقط، هي عملية إدارة لكل هذا، لتصبح مصر قلعة وقبلة حقيقية بحثية لعلم المصريات، بما تمتلكه من آثار عظيمة، ليس من حيث الحجم، والكم، بل والعظمة؛ وأن كل هذا يحتاج إلى منهجية، واستراتيجية؛ التي تتطلب البدء بالوقوف على الوضع الحالي لنا.
وقال الدكتور محسن: إنه من الأهمية أن نعرف أين نحن من علم الآثار على مستوى العالم؟، وإلى أي مدى وصلنا في التقنيات، والتكنولوجي، الذي نقوم من خلاله بتجميع هذا العلم؟، وكيفية حفظه وصونه؟، وكيفية عمل توثيق وتسجيل له؟؛ وهذا ما تعمل وتشتغل عليه معظم الجامعات المصرية في الوقت الحالي، لتجميع البيانات بالطرق العلمية الصحيحة، وحفظها، وتوثيقها وتسجيلها، بالطرق التي تمكن من التعامل مع أي طارئ لقطعة أثرية من تلف، أو تهدم، أو اندثار، سواء كانت آثار ثابتة أو منقولة، لإعادتها مرة أخرى بنفس السمات السابقة؛ ناهيك عن الأشياء الأثرية الدقيقة، كالحلي، والقطعة الصغيرة؛ وهذا هو بؤرة الاهتمام الحقيقية، في كيفية الحفاظ على التراث، والآثار المصرية، وما تحمله من قيم فريدة؛ حتى نعرف قيمة حضاراتنا، وأجدادنا، الذين تركوا لنا إرث نفتخر به على مستوى العالم.
وأوضح الدكتور محسن صالح، بأنه من الضروري التسلح بأقصى ما وصل له هذا العلم، ومواكبين لكل ما هو جديد في هذا العلم، مشيراً إلى أنه حالياً أصبح هناك ما يسمى بالنماذج الافتراضية للآثار، لحمايتها من السرقة، ونحن نسير الآن على خطى صحيحة، وفقط تحتاج إلى منهجية منضبطة، حتى تؤتي ثمارها.
وأشار الدكتور محسن صالح، بأنه من الضروري مراعاة، أن هناك فرق بين الدارس والباحث، وكيفية خلق الباحث الأثري، موضحاً أن مرحلة البكالوريوس، فإن الطالب يكون فيها متلقياً للعلم، بينما في مرحلة الماجستير، فالطالب يكون باحثاً عن المعلومة، بينما في مرحلة الدكتوراة، يكون الطالب، منتجاً للمعلومة؛ ولذا فإنه من المهم أن يكون الباحث محدد هدفه، وكيفية الوصول إليه، وهكذا يتم تأسيس الباحث، ولذلك من المهم تربية الدارس الذي يكون عنصراً من العملية التعليمية، وليس متلقياً فقط، وهكذا ننتج الباحث الذي لديه مقومات الباحث العلمي.
وأضاف الدكتور محسن صالح، أن هناك دعماً للبحوث العلمية، وإن كانت ليست بالقدر الكافي، إلا أنها دفعة نستطيع البدء بها، وكذلك تعليم الباحث كيفية البحث عن مشاريع ممولة، تسانده في الوصول إلى المعلومة.
ومن جانبه أكد الدكتور هشام الليثي- رئيس قطاع حفظ وتسجيل الآثار بالمجلس الأعلى للآثار، على أن مصر الدولة الوحيدة في العالم، التي لديها علم مشتق من أسمها، هو علم المصريات، وأن الرعيل الأول تتلمذ على يد الخواجات، وسافر في بعثات عملية للخارج، وحصلوا على درجات الماجستير والدكتوراة، ثم عادوا لينقلوا خبراتهم للطلبة.
وقال إن خطوة التحول نحو جعل مصر قبلة بحثية لعلم المصريات، قد بدأت خطواتها الأولى بالفعل؛ حيث يوجد هناك حوالي 350 بعثة علمية تحضر إلى مصر للتنقيب، وهؤلاء جميعهم علماء مصريات أجانب، وهذه هي الطريقة غير المباشرة؛ فيما تبقى الطريقة المباشرة، والمتمثلة في انشاء مكان تخصصي؛ مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يوجد لدينا كثيراً من الجامعات، وآثار في جميع أنحاء مصر؛ وقد أصبح الأثريين المصريين، أعضاء بارزين في البعثات الأجنبية؛ حتى أن الأجانب أنفسهم يطلبون المصريين.
وأوضح الدكتور الليثي، أن ما قام به الدكتور زاهي حواس، بتأسيس مدرسة الحفائر، ساهمت في نشأة جيل من الأثريين على نفس مستوى الأجانب؛ وقد لا يكون هناك فرق بين المصري والأجانب، اللهم في مسألة التفرغ؛ حيث ان الأجانب عندما يدرسون يكون عندهم وقت كافي للدراسة، ومتفرغين؛ بينما الدارس المصري مكبل بالأعباء العملية والأسرية؛ فضلا عن أن البحث العلمي مكلف، وكذلك المكتبات متباعدة بين بعضها البعض، على عكس الخارج، فهنا تمارس البحث العلمي، بجانب أداء عملك، وهو مصدر حياتك، ولكن في الخارج تكرس وقتك للمكتبة، وكافة المصادر متاحة أمامك.
وأشار الدكتور الليثي لابد من منح الباحثين منحة تفرغ مدفوعة الأجر، وأنه من الممكن أن تعمل وزارة السياحة والآثار نفس فكرة وزارة الثقافة في منح منحة تفرغ للبحث العلمي للدراسات، ووفقاً لقانون العمل والخدمة المدنية، فهو غير متاح؛ لافتاً إلى أن هذا يحتاج لقرار سيادي، لإنشاء منظومة بحثية في مصر، ولابد أن تكون له ضوابط، بحيث يكون للبحث قيمته، التي تخدم الآثار.
وأضاف الدكتور الليثي، بأن السبب الحقيقي لتأخرنا، على الرغم مما لدينا من المقومات الأثرية، يرجع إلى أن المدرسة البحثية تحتاج إلى التفرغ.
ومن جانبه أكد الدكتور جمال مصطفى- مستشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار لشئون الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أن علم المصريات، أساسه تراثنا المصري؛ ولكن المشكلة عندنا أنه كان المهيمن على هذا المشروع، هي البعثات الأثرية الأجنبية؛ وحالياً التوجه للمجلس الأعلى للآثار، والتعليم العالي، فإنه إلى جانب البعثات الأجنبية، توجد بعثات مصرية، وهذه البعثات الأجنبية، تكون مشتركة مع مناطق الآثار المتخصصة.
وقال الدكتور جمال مصطفى: إن التعاون مع البعثات الأجنبية في الوقت الراهن، من شأنه أن يفرز كفاءات مصرية؛ بحيث أن سوف يبقى المطلوب، تجميع الأدوات، والمواقع، ووضع إطار لها، ومن ثم يكون عندك معهد أو مركز.
وأوضح الدكتور جمال مصطفى، بأنه عندما تعمل لك اسم وسمعة علمية تستطيع المنافسة وجذب الباحثين، لأنك تملك الآثار؛ مشيراً إلى أنه حينما تكون لديك مؤسسة مصرية مختصة في علم المصريات، تستطيع أن تبني عليها؛ وفي نفس الوقت تستطيع أن تستعين بخبراتك الموجودة في الخارج؛ بحيث تعود وتعطيها نفس المميزات الموجودة بالخارج.
وأشار الدكتور جمال مصطفى، إلى أن مفاتيح المواضيع كلها لدينا، وهناك ما هو مخفي ولا يعرف أحد عنها أي شيء؛ ولذا عند العمل على هذه المفاتيح المتوفرة لديك، فإنه سوف تلجأ إليك هذه المراكز العالمية، والمهم نبتعد عن الصراعات الفكرية والدينية، ونشتغل آثار بدون توجه؛ على عكس البعثات التي يكون لها توجه غالباً.
وأضاف الدكتور جمال مصطفى، بأن البعثات المصرية بالفعل هي منافس قوي، وأن الدولة مهتمة، ووزارة السياحة والآثار تجسد اهتمام الدولة، وهناك حراك يحتاج للاجتهاد؛ وخاصة عندما يتم طرح فكرة مثل تحويل مصر إلى قبلة بحثية لعلم المصريات، في مؤتمر يجمع عدد كبير من المتخصصين في الآثار؛ وكل منهم سوف يدلو بدلوه، ويقدم فكرة، يتم البناء عليها؛ ثم تأخذ فترة لبلورتها، بعد الدراسة وتحديد شكلها؛ وفي نهاية المطاف يكون المنوط بتنفيذها التعليم العالي مع الآثار؛ وسوف يتحقق هذا قريباً.
ومن جانبه يرى الدكتور علاء الحبشي- أستاذ العمارة والحفاظ على التراث ومؤسس مشروع بيت يكن بحي الجمالية، أن البداية الحقيقية، حتى نجعل مصر قبلة بحثية لعلم المصريات، تكون من تأصيل علم المصريات في المناهج المدرسية لمراحل التعليم الأساسي.
وأوضح الدكتور علاء حبشي، أننا نبتعد كثيراً عن علم المصريات في التراث، ونركز على التراث الإسلامي والقبطي، هما قريبين منك، بحكم أنها يمثلان ديانتين نعيشهما بالفعل الآن؛ مشيراً إلى أن الدليل على أننا ابتعدنا جداً عن علم المصريات، أنه غير مدرج في المناهج التعليمية، بداية من الأطفال.
وأشار الدكتور علاء حبشي، إلى بعض دول العالم متقدمة عنا في علم المصريات، حيث توجد عندهم كتب، موجهة للأطفال عن علم المصريات، كما الحال في إيطاليا، وهولندا، مما جعل لأطفال هناك لديهم معرفة أكثر من أطفالنا في علم المصريات.
وأضاف الدكتورعلاء حبشي، بأنه من الضروري التأصيل لهذا العلم، في ثقافة المصري بشكل عام، من خلال المناهج التعليمية، ومن هنا نستطيع تقريب هذا الفكر للمجتمع المحلي، كتعليم على مراحل مختلفة من الابتدائي، وحتى الثانوي والجامعي.
لافتاً إلى وجود فجوة كبيرة جداً في المجتمع مع علم المصريات، وهذا يحتاج أن يتم التطرق إليه بشكل علمي جيد، وكيفية ادخال هذه العلوم في مناهجنا التعليمية، بشكل متطور، وليس بشكل تاريخي عقيم، بل بشكل متطور؛ لنعرف كيف أثر علم المصريات، في الفلك، الطب، والتنقيب، التحنيط، وشتى العلوم.
ونوه إلى أن مصر تمتلك أكبر المتاحف عالمياً، مثل المتحف المصري بالتحرير، والمتحف المصري الكبير، وهما بمفردهما أكاديميتان يمكنهما أن يتحولان إلى مركزين أكاديميين لعلم المصريات؛ ولكن الأهم ضرورة النظر للمناهج العالمية، حتى لا نبدأ العجلة من البداية، بل نركز علة ما يمكن إضافته، ونثري به هذا العلم.
