أكاديميون قانونيون: كليات الحقوق تواجه تحديات حقيقية والقراءة والبحث يصنعان القاضي والمحامي الكفء
بناء منظومة العدالة تبدأ من تطوير تعليم القانون.. وتقنيات الذكاء الاصطناعي ليست بديلاً عن العقل البشري والاجتهاد العلمي في العمل القانوني

كتب: محمد حربي
أكد المشاركون في ندوة “كليات الحقوق ودورها في منظومة العدالة في مصر ” بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، على أن كليات الحقوق تواجه تحديات حقيقية والقراءة والبحث يصنعان القاضي والمحامي الكفء، وأن العدالة ترتبط بجودة تعليم القانون، مع التشديد، على أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ليست بديلاً عن العقل البشري والاجتهاد العلمي في العمل القانوني.

وخلال الندوة؛ التي أدراها المستشار الدكتور خالد القاضي، حضرها نخبة من القامات الأكاديمية والقانونية، تم التأكيد على أن القانون ليس مجرد علم تطبيقي أو نصوص جامدة، بل قيمة إنسانية كبرى تُرسّخ النظام، وتحفظ الحقوق، وتصون كرامة الإنسان، وبه يستقيم ميزان المجتمع، وتنتقل الأمم من الفوضى إلى النظام، ومن الظلم إلى العدل؛ مع الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي، لا يضمن صحة المعلومة بشكل كامل، وأن القراءة المتعمقة والبحث العلمي الجاد يظلان الأساس الحقيقي لبناء القاضي والمحامي الجيد، مؤكدين أن العقل البشري والضمير القانوني يظلان العنصر الحاسم في تحقيق العدالة، لا سيما في القضايا الجنائية، وأن تطوير منظومة العدالة يبدأ من تطوير التعليم القانوني، وأن بناء رجل قانون مثقف، واعٍ، ومدرَّب عمليًا، هو الضمانة الحقيقية لتحقيق عدالة ناجزة تُعزز ثقة المجتمع في دولة القانون.
وقد وجه الدكتور القاضي، رسالتين: الأولى إلى صُنّاع العقل القانوني، مؤكدًا لهم بالغ التقدير لما يقدمونه من علم وجهد في بناء الأجيال، والرسالة الثانية فكانت موجهة إلى طلاب وطالبات كليات الحقوق، قائلًا: “أنتم أمل مصر الواعد وأمل أسرِكم، واختياركم لكلية الحقوق هو اختيار للعقل قبل العاطفة، فالقانون تدريب يومي على التفكير السليم، وبه تنتقل الأمم من الفوضى إلى النظام. أنتم رصيد الأمة القادم، والتفوق ليس رفاهية بل ضرورة، والعلم هو الجسر الذي تعبر به مصر إلى المستقبل”.
وأوضح المستشار الدكتور خالد القاضي، أن بعض كليات الحقوق وصل عدد طلابها إلى نحو 42 ألف طالب، وهو ما يضاعف الأعباء التعليمية، خاصة مع تراجع المستوى التعليمي لبعض الطلاب، وصعوبة استيعابهم للمصطلحات القانونية، ما يدفع عضو هيئة التدريس إلى بذل جهد مضاعف للوصول بهم إلى التميز؛ لافتاً إلى أن كليات الحقوق تظل ركيزة أساسية في تخريج الكوادر التي تسهم في دعم منظومة العدالة وبناء دولة القانون.
ومن جانبه، أكد الدكتور أحمد جمال الدين موسى- أستاذ القانون ووزير التعليم الأسبق أن تنظيم ندوة قانونية داخل معرض الكتاب ليس أمرًا سهلًا، وهو ما يعكس إدراكًا حقيقيًا لأهمية دور كليات الحقوق؛ موضحًا أن لكل كلية لوائح تنظم عملها، تمر بمراحل متعددة تبدأ من الجامعة، ثم المجلس الأعلى للجامعات، وصولًا إلى اللجان القانونية والقطاعية المختصة، التي تضم نخبة من كبار رجال القضاء في مصر، إلى جانب عدد من عمداء كليات الحقوق الحكومية والخاصة. وأكد أن لهذه اللجان دورًا محوريًا في النظر في كل ما يخص الجامعات، وبخاصة كليات الحقوق.
وأوضح الدكتور جمال الدين، أن كليات الحقوق تواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب مقابل العدد المحدود من أعضاء هيئة التدريس، لافتًا إلى وجود عجز واضح في هذا التخصص؛ لافتاً إلى أنه منذ نحو عشر سنوات، وخلال رئاسته لإحدى اللجان، تبيّن أن نسبة أعضاء هيئة التدريس بكليات الحقوق منخفضة للغاية، إذ يقابل كل ألف طالب مدرس واحد فقط.
مشيراً إلى تحدٍ آخر يتمثل في تراجع المستوى العام لبعض الطلاب، ما يصعّب عليهم استيعاب الدراسة القانونية، ويجعل عضو هيئة التدريس مطالبًا ببذل جهد مضاعف للارتقاء بمستواهم، لافتاً إلى أن النظام التقليدي القائم بالتركيز على الجانب النظري لم يعد كافيًا، وأنه لا بد من تعزيز الجانب التطبيقي، من خلال التدريب العملي، والعيادات القانونية، والمحاكمات الصورية، على أن يشمل ذلك جميع الطلاب، لا فئات محدودة فقط.
وفي كلمة للمستشار عادل عبد الحميد، ألقاها نيابة عنه المستشار الدكتور خالد القاضي؛ فقد تحدث عن رؤيته حول مستقبل التعليم القانوني ومنظومة العدالة، موضحاً أن جودة العدالة في أي دولة هي انعكاس مباشر لجودة تعليم القانون، مشددًا على أن القانون يجب أن يعلو فوق الجميع دون تمييز أو تحيز، وأن هذه القناعة يجب أن تُغرس في عقل رجل القانون منذ اليوم الأول لدراسته. وأضاف أن الخطر الحقيقي يكمن في تخريج دارس يحفظ نصوص القانون دون وعي أو فهم علمي، وهو ما يستوجب تطوير مناهج وآليات التعليم القانوني.
وأوضح أن كليات الحقوق مطالَبة بإحداث تغيير حقيقي في عدد من المحاور الأساسية، في مقدمتها التدريب القانوني العملي، إلى جانب تعزيز دور الكلية كشريك في صياغة السياسات والتشريعات، بما يربط الدراسة النظرية بالتطبيق العملي واحتياجات المجتمع.
ومن جانبه، أكّد المستشار عادل ماجد أن البحث القانوني يمثل حجر الأساس في مسيرته المهنية والعلمية، مشيرًا إلى أن بداياته في هذا المجال كانت مدعومة بالدراسة والبحث الأكاديمي، لا سيما من خلال الكليات والخبرات الخارجية.
مشيراً إلى قضية الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الممارسة القانونية، موضحًا أن اعتماد بعض الطلاب على ملخصات الكتب أو أدوات الذكاء الاصطناعي لا يُغني عن القراءة المتعمقة، قائلًا: “الذكاء الاصطناعي لا يضمن دائمًا صحة المعلومة بنسبة مائة في المائة، بينما القراءة والبحث هما ما يصنعان القاضي والمحامي الجيد”.
وأضاف أن عمله المهني قائم دائمًا على وقائع علمية تستند إلى البحث والدراسة والتحليل، محذرًا من الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي دون وعي، ومؤكدًا أن المحامي الذي يستخدمه دون امتلاك قاعدة معرفية راسخة لا يتفوق على الدارس الجيد والباحث الحقيقي.
لافتاً إلى ضرورة التفرقة بين “استخدام الذكاء الاصطناعي”، و”البحث في الذكاء الاصطناعي”؛ مشدداً على أن هذه التقنيات يجب أن تُوظف كأداة مساعدة في العمل القانوني، لا كبديل مباشر للعقل البشري والاجتهاد العلمي.
ومن جانبها، قالت الدكتورة إيمان البغدادي- نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، إن الدراسة في كليات الحقوق تعتمد في الأساس على الجانب النظري، مع غياب واضح للتطبيق العملي، معربة عن أملها في تعزيز أوجه التعاون بين كليات الحقوق والجهات الحكومية المختلفة، مثل السلك الدبلوماسي ووزارة الخارجية، من خلال إيفاد متخصصين من هذه الجهات للمشاركة في تدريس الطلاب.
وأوضحت أن طبيعة العمل في القضاء أو السلك الدبلوماسي تختلف اختلافًا جذريًا عن العمل بالمحاماة أو في الشؤون القانونية داخل المؤسسات، الأمر الذي يستوجب الربط الحقيقي بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، بما يُمكّن طلاب كليات الحقوق من فهم متطلبات كل مسار مهني وتأهيلهم بشكل أفضل لسوق العمل.








