الإنسان أساس التنمية.. والأطفال والتعليم ركيزة استراتيجية للمستقبل.. وضرورة مواكبة المتغيرات العالمية مع مراعاة الخصوصية المجتمعية
الأديبة سارة السهيل: إشكالية عالمنا العربي الخلط بين الوعاء والمحتوى ومصير أمتنا يتحدد بالخيار بين التبعية والاستقلال الثقافي.. الدكتورة سمية الألفي: التعليم حق أصيل من حقوق المواطنة وحجر الأساس لأي نهضة حضارية

كتب: محمد حربي
أكد المشاركون في ندوة “التعليم وثقافة الطفل”، لمناقشة العلاقة التفاعلية بين المنظومة التعليمية وبناء ثقافة الطفل، ودورهما المشترك في تشكيل وعي الأجيال القادمة، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، على أن الإنسان يظل الأساس الحقيقي لأي تنمية، وأن الأطفال والتعليم يمثلان ركيزة استراتيجية للمستقبل، بما يتطلب رؤية تعليمية شاملة تراعي الهوية والثقافة، وتواكب المتغيرات العالمية دون التفريط في الخصوصية المجتمعية.
وركز الحديث في الندوة؛ التي أدارها محمود مرتضى- خبير التنمية وحقوق الإنسان، على أن ثقافة الطفل قضية وجود ومستقبل، خاصة في ظل صراعات تسعى لتدمير وعي النشء، وظهور أشكال من الذكاء الاصطناعي الموجّه أو المشوَّه، مؤكدة أن إفراغ عقل الطفل يجعله فريسة سهلة للغزو الثقافي أو الجماعات المتطرفة، داعية إلى سد هذا الفراغ بإنتاج إبداعي حقيقي يليق بالطفل.

من جانبها أكدت الكاتبة والأديبة العراقية سارة السهيل، على مسألة التقاء التعليم بالثقافة في عقل الطفل، وأنه من وراء سؤال بسيط لكل أب وأم: ” ماذا نريد لأطفالنا؟” يكمن سؤال مصيري: أي تعليم نريد لهم، وأي إنسان نأمل أن يخرجوا إلى العالم؟ عند هذا المعْلم، ينفصل طريقا التعليم والثقافة، ليس كخصمين، بل كشقيقين مهمومين بمصير واحد. فبينما يعلّم الأول الطفل كيف يقرأ، تحدد له الثانية ماذا يقرأ ولماذا، وتضع الحساب والمعادلات في إطارهما الأخلاقي والاجتماعي الأوسع. هذا الفرق ليس ترفاً فكرياً، بل هو المسؤول عن رسم ملامح المصير الفردي والجمعي، وهو ما أدركته حضاراتنا العربية والإسلامية في عصور ازدهارها، حين جعلت من “بيت الحكمة” في بغداد و”جامعة القرويين” في فاس مراكزَ تشعّ بالمعرفة دون أن تفصلها عن هويتها وقيمها، فكانت مصانع للعلماء والمفكرين، لا للحفظة والكتبة فقط.
وقالت الأديبة سارة السهيل: إن الإشكالية العميقة في عالمنا العربي اليوم، تكمن في خلطنا المستمر بين الوعاء والمحتوى، وكأنّ تحصيل الدرجات العلمية هو ذروة المشروع التربوي. لكن الثقافة الحقيقية هي ما يحدث خارج جدران الفصل الدراسي؛ هي النسغ الذي يغذي رحلة النمو بأكملها. إنها المنظومة الحية التي تتشكل من القيم المتجسدة في البيت، والعادات اليومية، والفنون التي تُهذب الوجدان، والرموز التي تنسج هوية الطفل. يمكننا أن نسلم الطفل أفضل الأدوات التعليمية المتطورة، ولكن إن لم نضع بين يديه خريطة ذات معنى توجه استخدامها، فمصيره التيه في عالم من المعلومات العابرة بلا حكاية جامعة.
وأوضحت الأديبة سارة السهيل، بأننا هنا نواجه فراغاً إبداعياً مؤسفاً، رغم غنى تراثنا. فتراثنا القصصي الهائل، من “كليلة ودمنة” إلى حكايات “ألف ليلة وليلة”، وأنجبت مسيرتنا الثقافية، عبر عقود، كوكبةً من الرواد والمبدعين الذين حاولوا، كل من موقعه، نسج هذا التراث الكبير بخيوط عصرهم وأدوات زمانهم. لكن هذه الجهود تبقى شذرات متناثرة في محيط من الفراغ الإبداعي المؤسسي المنظم، لا تجد الدعم الكافي لتصبح تياراً ثقافياً قوياً ومستمراً. فنادراً ما نجد ألعاب فيديو عربية تستلهم تاريخنا، أو مسلسلات كرتونية قادرة على المنافسة العالمية بجودة إنتاجها وعمق رسالتها. وهذه المحاولات والإبداعات الفردية، رغم قيمتها التي تصل أحياناً إلى نيل تقدير عالمي، تبقى كشذرات متناثرة في محيط من الصمت الإنتاجي المؤسسي. فهي تشبه نباتات برية تنبت بشجاعة في أرض صخرية، بينما يحتاج الأمر إلى بيئة خصبة وبستان كبير لتنمو وتثمر.
وأشارت الأديبة سارة السهيل، إلى أن هذا الفراغ المحلي ليس بريئاً، بل يخلق تربة خصبة لأخطر التحديات: الغزو الثقافي الرقمي المنظم. فثمة شركات عالمية تستثمر مليارات الدولارات في أبحاث تستهدف عقل الطفل ووجدانه، تعمل وفق استراتيجيات طويلة الأمد لصناعة أذواقه، وتشكيل قيمه، وتعيين أبطاله. إنه غزو لا يأتي بصورة استعمار كلاسيكي، بل كبضاعة جذابة تتدفق عبر الشاشات الصغيرة، تدخل بيوتنا دون استئذان، وتستفيد من غياب البديل المحلي الذي يتحدث بلغة العصر وبلغتنا نحن. إنه تحدي وجودي، تدعمه أرقام صارخة: فحصة الإنتاج الثقافي العربي الموجه للطفل ضئيلة للغاية مقارنة بما يُنتج عالمياً، بينما تُظهر الدراسات أن الطفل العربي يقضي ساعات أطول أمام محتوى أجنبي مترجم أو مدبلج، منه أمام محتوى أصلي.
وأضافت الأديبة سارة السهيل، أن الخطر هنا لا يقتصر على مجرد اختلاف الذوق، بل يتعلق بتشكيل الهوية على مستوى الدماغ نفسه. فالعلوم العصبية الحديثة تشرح لنا كيف أن الدماغ البشري ينمو في سياق ثقافي. ما يسمى بـ “المرونة العصبية” يثبت أن كل قصة تروى، وكل أغنية تردد، وكل طقس عائلي يعاش، يترك أثراً مادياً في بنية الدماغ، ويخلق مسارات عصبية جديدة تحدد طريقة إدراك العالم وفهمه. نظريات علم النفس التنموي، مثل “نظرية الارتباط الثقافي”، تؤكد أن الأدوات الثقافية – من اللغة والرموز إلى الفنون – هي التي تشكل عمليات التفكير العليا لدى الإنسان. المشاعر الإيجابية المرتبطة بالهوية، كالفخر بالانتماء أو دفء الطقوس العائلية، تحفز إفراز هرمونات تربط الطفل عاطفياً بجذوره، وتجعل هذه الذكريات المشبعة بالعاطفة أكثر ثباتاً في الذاكرة من أي معلومة مجردة. بمعنى آخر، الثقافة ليست ترفاً، بل هي نوع أساسي من التغذية العصبية الضرورية لنمو عقل سليم ومتوازن، له جذور وله أجنحة.
لافتة إلى أنه في مواجهة هذا المشهد المعقد، يقف الطفل العربي أيضاً تحت وطأة قهر غير مقصود، حيث يتحول بدافع الحب إلى وعاء يُملأ بأحلام آبائه القديمة بدلاً من أن يكون تربة لزراعة أحلامه الخاصة. هذه البيئة، إن لم تنتبه، تقتل روح السؤال وتُنمّط الخيال.
وشددت الأديبة سارة السهيل على أن الحل لا يكمن في منطق المنع أو الحصار، الذي أثبت فشله، بل في تبنّي استراتيجية ذكية وشجاعة تتشارك فيها كل أركان المجتمع. في البيت، يتطلب الأمر تحويل الوقت العائلي من سكون الاستهلاك إلى فاعلية الحوار، وإحياء طقوس بسيطة ومؤثرة، مثل ليلة الحكاية أو تبادل ذكريات الجذور العائلية، مع بناء مكتبة منزلية حية تنمو مع فضول الطفل، وتحترم أسئلته مهما بدت بسيطة أو محرجة. أما المدرسة، فمهمتها أن تتحول من مصنع للشهادات إلى حاضنة للهوية والإبداع. هذا يعني منهجاً يدمج التراث المحلي والعربي في صلب العلوم والآداب، بطريقة تفاعلية تحفز التساؤل والنقد، ويعيد للفنون والموسيقى والمسرح مكانتها كأدوات أساسية لبناء الشخصية المتكاملة، وليس كأنشطة هامشية.
ونوهت الأديبة سارة السهيل إلى أن معالجة الجانب الفردي وحدها لن تكفي، فهذا تحدي ذو أبعاد سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى. إن صناعة ثقافة الطفل هي سوق عالمي تتحرك فيه مليارات الدولارات، والدول التي تريد لحضارتها أن تبقى وتؤثر، تستثمر في هذا المجال استثماراً استراتيجياً، كما تفعل دول عديدة بدعمها الضخم لصناعتها الثقافية. نحن بحاجة إلى سياسات ثقافية جريدة تنتقل من منطق الاستهلاك إلى الإنتاج. سياسات تدعم المبدعين العرب في مجالات الألعاب الرقمية، والرسوم المتحركة، والمحتوى التفاعلي، وتخلق شراكات حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية. لماذا لا نطلق “منصة عربية موحدة” لمحتوى الطفل، تجمع أفضل الإنتاجات وتضمن له الانتشار؟ ولماذا لا نتبنى مشاريع ضخمة لتحويل كنوزنا الأدبية والتاريخية إلى ألعاب تعليمية ومسلسلات عالية الجودة؟ هذا يتطلب إرادةً ورؤية، واستثماراً قد يبدو كبيراً اليوم، لكن ثمن عدم القيام به أكبر بكثير: فهو ثمن ضياع جيل منقطِع الجذور، يتحدث بلغتنا ولكن يحلم بأحلام ليست أحلامنا.
ولفتت الأديبة سارة السهيل الأنظار‘ إلى أن المعركة ليست بين قديم وجديد، ولا بين عربي وأعجمي. المعركة الحقيقية، التي تؤكدها تقارير اليونسكو حول أهمية التراث غير المادي، هي بين الإنسان الذي يُفكَّر عنه، فيصبح مستهلكاً سلعياً لمنتجات ثقافية جاهزة، وبين الإنسان الذي يُمنح أدوات التفكير والنقد والإبداع، فيصبح صانعاً لثقافته ومستقبله. الطفل الذي ينشأ على وعي بجذوره، وثقة بهويته، وإتقان لأدوات عصره، هو وحده القادر على أن يبحر في عالم مفتوح دون أن يغرق في تيه الآخرين. وهذا الخيار، بين التبعية والاستقلال الثقافي، هو ما سيحدد مصير أمتنا في القرن القادم. فالأمر لم يعد يتعلق بعدد المدارس التي نبنيها، بل بنوع العقول والقلوب التي نختار أن نصنع فيها. إنه الاستثمار الأصعب والأجدى: استثمار في الإنسان، منذ أن يكون بذرةً صغيرة، كي نضمن أن تكون شجرته وارفة، وأن تكون ثماره خالصة لهوية الأرض التي نبت منها.
ومن جانبها أكدت الدكتورة سمية الألفي- الدكتورة سمية الألفي مدير عام التنمية والنوع بالمجلس القومي للأمومة والطفولة، أن التعليم في مصر يمثل حجر الأساس لأي نهضة حضارية، مشيرة إلى أن التعليم حق أصيل من حقوق المواطنة، إلى جانب الصحة، لما له من تأثير مباشر على الانتماء الوطني وبناء الإنسان.
وأوضحت الدكتورة سمية الألفي، أن التعليم يسهم في خلق التفكير النقدي لدى الفرد، ويعزز مشاركته في المجتمع، كما يوفر للمجتمع عمالة مؤهلة ويقلل معدلات البطالة ويجذب الاستثمارات.
وأشارت الدكتورة سمية الألفي، إلى أهمية أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، من بينها العجز في أعداد المعلمين، وتكدس الفصول، والتسرب من التعليم، وضعف البنية التكنولوجية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية وتأثير التضخم على العملية التعليمية، مؤكدة أن هذه القضايا متداخلة ولا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والاقتصادي العام، لافتة إلى مؤشرات التعليم قبل الجامعي في مصر، وأن عدد الطلاب يبلغ نحو 29 مليون طالب، من بينهم 15 مليونا في المرحلة الابتدائية، مقابل نحو مليون و300 ألف معلم، مع وجود نقص في المدارس المخصصة لذوي الهمم.
واشادت الدكتورة سمية الألفي، في الوقت نفسه، بعدد من التدخلات الإيجابية لوزارة التربية والتعليم، من بينها تطوير المناهج، والتوسع في التعليم الفني، وإدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على الحاجة إلى مزيد من التمويل والتدريب المستمر.
مشددة على أن بناء الإنسان يظل الأساس الحقيقي لأي تنمية، وأن الأطفال والتعليم يمثلان ركيزة استراتيجية للمستقبل، بما يتطلب رؤية تعليمية شاملة تراعي الهوية والثقافة، وتواكب المتغيرات العالمية دون التفريط في الخصوصية المجتمعية.








