Site icon بوابة العمال

الله في مكة»… رحلة في جوهر الأيمان بين قداسة المكان وسؤال الروح

كتب: محمد سعيد الشافعى 

في اطار الحراك الثقافي والفكري المصاحب لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، يبرز كتاب «الله في مكة: رحلة روحانية بين ظاهرية الاسلام وجاهلية الشعائر» للكاتب والصحفي والباحث السياسي السيد الحراني، الصادر عن دار كنوز للنشر والتوزيع، في 350 صفحة من الحجم المتوسط كاحد اكثر الاصدارات اثارة للاهتمام والنقاش داخل اروقة المعرض، لما يحمله من طرح غير تقليدي لاسئلة الايمان والعبادة، ولما يقدمه من قراءة عميقة في العلاقة بين المقدس والانساني، وبين الطقس والجوهر.

الكتاب لا ينتمي الى نمط الكتب الدينية الارشادية، ولا الى ادب الرحلات بالمعنى السياحي، بل يقدم نفسه كرحلة داخلية، بدأت من عمرة بدت في ظاهرها عابرة، لكنها تحولت الى تجربة وجودية هزت يقينيات الكاتب، واعادت ترتيب علاقته بالشعائر وبالصورة الذهنية عن الله. ومنذ الصفحات الاولى، يضع القارئ امام سؤال مركزي: هل نعبد الله حق العبادة، ام نعبد صورة لما نتخيل انه الله؟

العنوان الفرعي للكتاب «ظاهرية الاسلام وجاهلية الشعائر» يشكل مفتاحا اساسيا لفهم مشروع الكتاب، وهو كما يوضح المؤلف في تصريحات خاصة، استدعاء واع لجملة شهيرة قالها الفاروق عمر بن الخطاب، عندما انتقده بعض مشيريه في غلظته على اهل مكة، وعاتبوه على قراره بمنع خروج كبار الصحابة منها الا باذن منه، فبرر موقفه قائلا ان بعض اهل مكة لديهم اسلام ظاهرية وجاهلية مبطنة.

ويؤكد السيد الحراني ان استدعاء هذه العبارة لم يكن بقصد الادانة او التشكيك في الايمان، بل بقصد الفهم والتحليل، موضحا ان عمر بن الخطاب كان يخشى من التدين الشكلي حين ينفصل عن جوهر الاخلاق والمسؤولية، وهو ما رآه الكاتب ماثلا امامه في كثير من مشاهد التدين المعاصر داخل الحرم.

ويقول الحراني: “الخطر الحقيقي ليس في ترك الشعائر، بل في تفريغها من معناها، حين تتحول العبادة الى عادة، والدين الى شكل بلا روح”.

مكة بين الزحام والغياب
ينطلق الكتاب من مشاهد الطواف والسعي، حيث يرصد الكاتب التناقض الصارخ بين كثافة الزحام الجسدي، وندرة الحضور القلبي. الاف الاجساد تتحرك في انسجام مهيب، بينما تغيب القلوب في كثير من الاحيان، منشغلة بالتصوير او التفاخر او السباق على القرب الشكلي من الحجر.

ويكتب الحراني: “في الطواف لم اكن ارى الحجر بقدر ما كنت ارى البشر. كنت اراقب الوجوه، واسأل نفسي: هل نحن هنا لنقترب من الله، ام لنقنع انفسنا اننا فعلنا ما يجب فعله؟”. هذه الاسئلة لا تطرح من موقع الواعظ او القاضي، بل من موقع الانسان المنخرط في التجربة، الباحث عن معنى صادق وسط الضجيج.

قدسية المكان وصراع السلطة
في واحد من اكثر فصول الكتاب جرأة وعمقا، يعيد الكاتب قراءة تاريخ مكة والكعبة، متوقفا عند محطات مؤلمة تكشف ان قدسية المكان لم تكن دائما حاجزا امام العنف او الصراع السياسي.

ويتناول الكتاب حادثة ضرب الكعبة بالمنجنيق في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي لقب من شدة غلظته وبطشه بسفاح بني امية، حين لم تمنعه قدسية الحرم المكي من قصفه اثناء صراعه مع عبد الله بن الزبير.

ويرى الحراني ان هذه الواقعة تمثل لحظة كاشفة، تؤكد ان المشكلة لم تكن في المكان، بل في النفوس، وان القداسة وحدها لا تحمي اذا غاب العدل، وتحولت السلطة الى غاية تبرر كل شيء، حتى انتهاك اقدس المقدسات.

ويربط الكاتب بين هذه الحادثة، وبين مفهوم جاهلية الشعائر، حيث يمكن استخدام الدين كغطاء، بينما تنتهك قيمه في العمق.

اعادة قراءة على هامش السيرة والفتنة الكبرى
لا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي التقليدي، بل يقدم اعادة قراءة نقدية لبعض المحطات المفصلية في التاريخ الاسلامي، مستدعيا اعمالا فكرية مثل «على هامش السيرة» لطه حسين، وملف الفتنة الكبرى، والصراع بين علي بن ابي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، بوصفها لحظات كشفت تداخل المقدس بالانساني، والديني بالسياسي.

ويرى الحراني ان الفتنة الكبرى لم تكن خلافا عقديا، بل صراعا على السلطة والتأويل، وان اعادة قراءة هذه اللحظات من داخل مكة تمنحها بعدا مختلفا، حيث يفرض المكان اسئلته الثقيلة على الذاكرة والتاريخ.

من مكة الى المدينة
تمتد الرحلة بعد ذلك الى المدينة المنورة، حيث تتغير نبرة الكتاب من القلق والمواجهة، الى السكينة والمصالحة. عند قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومقامات اهل البيت والصحابة، يشعر الكاتب بان الايمان يستعيد بعده الانساني، ويتحول من رهبة مجردة الى رحمة وعدل وسكينة.
ويؤكد الحراني ان المدينة تمثل الامتداد الاخلاقي لمكة، حيث تتحول الشعائر الى سلوك يومي، والعبادة الى مسؤولية انسانية قبل ان تكون طقسا.

البعد الانساني والعائلي
يمنح الكتاب مساحة مؤثرة للبعد الانساني، من خلال حضور اسرة الكاتب في الرحلة، حيث تتحول العمرة بوجود زوجته ولاء والطفلة لارا والابن محمد الى تجربة تربوية ووجدانية، تطرح سؤال الايمان الذي نريد ان نورثه لاطفالنا، لا بوصفه اوامر محفوظة، بل تجربة حية قائمة على المعنى والصدق.

كتاب يفتح الاسئلة ولا يغلقها
يقع كتاب «الله في مكة» في اكثر من اربعين فصلا، ويمزج بين ادب الرحلات، والتاريخ، والتأملات الفكرية، بلغة ادبية هادئة تخلو من الوعظ والمباشرة. وهو لا يقدم اجابات جاهزة، بل يفتح الاسئلة، ويترك القارئ في مواجهة ذاته، داعيا اياه الى اعادة النظر في علاقته بالشعائر وبالايمان نفسه.

ويشارك الكتاب ضمن جناح دار كنوز للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، صالة 1 جناح C2، في الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير، وسط اهتمام ملحوظ من القراء والمهتمين بالفكر الديني المعاصر.

ويختتم السيد الحراني الكتاب بتأكيد دال: “الله في كل مكان، وفي مكه له بيت وعنوان، لكن الخطر ان نقف امامه بالشكل، ونغيب عنه بالروح”.

الجدير بالذكر أن السيد الحراني كاتب صحفي وباحث سياسي وروائي مصري، تخرج في كلية الاعلام بجامعة القاهرة. عمل في عدد من كبرى المؤسسات الصحفية المصرية، من بينها اخبار اليوم، الاهرام، المصري اليوم، الوطن، مصراوي، الفجر، والبوابة. وعضو سابق في لجنة الاعلام بالمجلس القومي للمرأة، وعضو حالي بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية ونقابة الصحفيين ونقابة اتحاد الكتاب ونقابة السادة الأشراف.
كتب مذكرات عدد من الشخصيات البارزة في الفكر والسياسة والفن، من بينهم الدكتور مصطفى محمود، الدكتور سعد الدين ابراهيم، الدكتور رفعت السعيد، المفكر جمال البنا، رجل الاعمال احمد الريان، الفنانة ماجدة الصباحي، الفنانة فاتن حمامة، والفنان نور الشريف. وقدم برنامجا تلفزيونيا بعنوان «مسافر بين الشك واليقين»، وله عدد من المؤلفات الفكرية والروائية، من بينها روايات «مارد»، «قضية الكوراني»، وكتب «الجماعات الاسلامية من تاني»، «الفيلسوف المشاغب»، «الوثائق المجهولة للاخوان المسلمين»، «ملعون ابو الواقع»، «فلسفة الموت»، و«الاخوان القطبيون».

Exit mobile version