آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: زلزال سياسي ببيت الأمة

بينما كانت المنصات تضج بخطب التنمية الجافة، وشاشاتنا تمتلئ بصور الإنجازات التي لا تشبع جوعا ولا تروي ظمأ سياسيا، وبينما ظن البعض أن بيت الأمة قد تحول إلى متحف للتاريخ أو دار للمسنين السياسيين، فجر يوم الجمعة 30 يناير مفاجأة لم تكن في حسبان هواة الأرشفة، لقد عاد الديناصور ليخرج من رماد الحسابات الضيقة، حاملا حقيبة الصيدلي ودهاليز البيزنس، ليعلن أن السياسة في مصر لا تموت بالسكتة الدماغية، بل تنتظر فقط من يعرف كيف يحرك خيوط اللعبة من جديد.

يخطئ من يظن أن فوز الدكتور السيد البدوي برئاسة حزب الوفد يوم الجمعة بفارق 8 أصوات كان مجرد نتيجة انتخابية عابرة، إننا أمام زلزال سياسي مركزه ضريح سعد زغلول، وارتداداته وصلت إلى كل دوائر صنع القرار في مصر، هذه ليست مجرد عودة لرئيس قديم، بل إعلان رسمي عن فشل تجارب الاستنساخ السياسي، وعودة السياسة الثقيلة إلى الملعب، بعد سنوات من الأداء الباهت والتجريب الذي لم ينتج سوى كيانات بلا روح.

لقد اختار الوفديون السيد البدوي وهم يدركون تماما أنهم لا يختارون ملاكا، بل يختارون مقاتلا يعرف كيف يفك شفرة الدولة وكيف يروض أمواج المعارضة، البدوي الذي اعتذر عن انبطاح الوفد قبل أن يضع قدمه على الكرسي، استخدم بذكاء سلاح المكاشفة الصادمة، وأدرك أن الحزب لم يكن بحاجة إلى بروفيسور يرسم خرائط، بل إلى قائد يمتلك كاريزما الحضور وسطوة المال وجرأة الموقف.

فارق الثمانية أصوات أمام شخصية محترمة مثل الدكتور هاني سري الدين، يخبرنا أن الوفد منقسم بين الرومانسية الليبرالية، والواقعية السياسية الفجة، لكن فوز البدوي حسم الجدل، الوفد يريد أن يعود رقما صعبا في المعادلة، لا كومبارس في مسرحية حزبية باهتة، السيد البدوي يعود بروشتة صيدلي خبير، يعرف متى يضع السم في الدسم، ومتى يمنح الترياق للجسد السياسي المنهك.

الرسالة وصلت في 2026 انتهى زمن “الموظفين”، ولم تعد الشعارات الرنانة كافية، السيد البدوي يمثل كاريزما الرجل الذي لا ينحني للعواصف بل يوجهها، عودته إحياء لمدرسة الوفد الأصيل الذي يعارض ليعمر ويوافق ليفاوض، إنه سياسي يتقن فن المناورة على الحافة، وهو ما تحتاجه مصر الآن للخروج من حالة الركود الحزبي التي طالت أكثر مما ينبغي.

يا سادة، السيد البدوي لم يعد لينتقم من ماض، بل ليرسم مستقبلا لحزب كان قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح جمعية خيرية، عودته إعلان لانتهاء زمن الهواة وبداية عصر المحترفين، الوفد الآن ليس مجرد حزب، بل ترمومتر الشارع، فهل ينجح البدوي في تحويل بيت الأمة من مجرد مبنى تاريخي إلى غرفة عمليات تقود المستقبل.

الكرة الآن في ملعب الحكيم الصيدلي، فإما دواء يشفي السياسة المصرية، وإما رصاصة رحمة على ما تبقى من عراقة، فلا يهم إن كنت من عشاق “البدوي” أو من خصومه، فالواقعية السياسية لا تعترف بالعواطف، الحقيقة العارية أن بيت الأمة قد سئم دور المحلل وقرر استعادة دور البطل، لقد عاد السيد البدوي وهو يدرك أن التاريخ لا يمنح فرصا ثالثة مجانية، وأن فارق الأصوات الثمانية ليس صك غفران بل إنذار أخير، فهل ينجح داهية الوفد في خلطة الكيمياء الأخيرة، أم أننا أمام رقصة الوداع لجيل يرفض الانحناء، الأيام كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن سوق السياسة في مصر استعاد أكبر مضاربيه، فقد انتهى زمن اللعب مع الصغار.

يوسف عبداللطيف يكتب: زلزال سياسي بضريح سعد زغلول

زر الذهاب إلى الأعلى