ما هو اصعب شيئا في الحياه؟ سؤال لايحتاج الى تفكير طويل ولا يحمل خيارات في الاجابة، وانما هى اجابة واحدة لا تحتاج إلى تأويل او تفسير، فللوهلة الاولى نقول فراق الاحبة بموت الفجأة ، او فراق بدون وداع، صدمة نفسية عميقة تترك حزناً غائراً وفراغاً يصعب ملؤه،كابوس بشع لا ينتهي. تشعر بان السماء أصبحت مظلمة والأرض اضحت صحراء قاحلة، فالفقد موجع والذكريات تؤلم.
بالامس القريب طالعت تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي في الساعة الوحدة ليلا نزلت على بصري كألصاعقة، لم اصدق ما راته عيناي إلا بعد عدة رسائل متشابهة، الكل ينعي المستشار عبدالناصر العريبي نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، الدموع تجمدت، وامسكت العينان عن البكاء، وكأنها تعلم ان الدموع هي مطافئ الحزن الكبير، وكأن العينان لا ترغبان في ان تُبصر الواقع.
سبحان الله سرعان ما تذكرت قول الله تعالي “كل شيئ هالك إلا وجهه” ودار في ذهني كلامه وافعاله، فقد كان فوق التراب نجماً عظيماً يشع بنور اعماله الطيبة واقواله السوية وافعاله الندية حتى اصبح تحت التراب حديثاً وحدثاً على كل لسان وفى كل قلب يمدح ويثنى على شخصه الكريم واعماله النيّرة فهو مثالاً للرجل العظيم الذى تحلى وتجمل بأخلاقه ومناقبه ، وتذكرت ماقاله الامام علي بن أبي طالب :ما ولدتم ففي التّراب، وما بنيتُم فللخراب،وما جمعتُم فللذَّهاب، وما عملتُم ففي الكتاب، مُدَّخرٌ ليوم الحساب.
نعم الغنيمة الحقيقيَّة ما دوّنته الملائكة في صفحة الحسنات،
وكل ما دُون ذلك دُون ! عَرَضٌ زائل، وأموال مقسومة،
ومناصب متروكة، وألقاب مهجورة.
ان الفقيد رحمه الله كان إنسانًا يحمل ميزان العدل في قلبه قبل يده رحل عن دنيانا بدون مقدمات، عُرف بين الجميع بطيبة القلب، وعفة اللسان، ونبل الخلق، والذوق الرفيع، والكرم الإنساني قبل أن يكون كرم المنصب.
لم يكن مجرد قاضٍ يُصدر الأحكام، بل كان إنسانًا يحمل ميزان العدل في قلبه قبل يده، يستمع بإنصاف، ويحكم بضمير، كان بشوش الوجه ، متبسما في وجوه الآخرين عند لقائهم، وهى من أجمل الصفات الاجتماعية والأخلاقية التي تعكس طيب النفس، والسرور، وحسن التعامل، وهي سنة نبوية تزرع المودة وبؤجر عليها كصدقة، وتعد “مصيدة للقلوب” ومفتاحاً للألفة.
فهل مثل ذلك من الممكن ان تلقى ذكراه في سراديب النّسيان؟ هنا أقول لكم انه درب من دروب الخيال ان تمحى تلك الافعال الجميلة من الذاكرة فلا تتحدّث عنه إلّا بكلّ ما هو رائعٌ ونبيل، فقد أعطاك قلباً، وأعطيته عمراً، وليس هناك أغلى من القلب والعمر في حياة الإنسان.
لو كانت الدموع تغير قدرا من اقدار الله لكانت دموعنا عليه اشد من امواج البحار، ولو كان الحزن يغير شيئا لكان حزننا عليه اشد سوادا من الليل المظلم، لكن هذا
هو حكم الله في خلقه ولا راد لقضاء الله.
جهلت عيون الناس مافي داخلي
فوجدت ربي بالفؤاد بصيرا
يا ايها الحزن المسافر في دمي
دعني فقلبي لن يكون اسيرآ
ربي معي فمن ذا الذي اخشى إذا
مادام ربي يحسن التدبير
وهو الذي قال في قرآنه
وكفى بربك هاديآ ونصيرا.
اننا لانملك من الامر شيئا الا ان نرفع اكف الضراعة الى الله نسأله فهو القادر المقتدر ، الذي فجر الماء من الحجر ، وجعل في الآفاق آيات وعبر ، أن تكون الجنة مستقراً له، وأن يرزقه نعيمآ ما بعده كدر، وأن يجمعه ومن احب بجوار خير البشر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
عبدالعظيم القاضي يكتب : رحيل بدون وداع

