كتب: محمد حربي
وصف عدد من الخبراء الاستراتيجيين، تحريك حاملة الطائرات النووية العملاقة “جيرالد فورد”، وحاملة الطائرات ” ابراهام لينكولن”، إلى منطقة الشرق الأوسط، بأنها تدخل في إطار استعراض عضلات للرئيس الأمريكي؛ محذرين من أن المعركة لو وقعت بين إيران وأمريكا، سوف تكون تكسير عظام، وأن الإيرانيين سيدافعون عن وجودهم بأسنانهم، وسيستهدفون كافة القواعد الأمريكية بالخليج؛ حيث سيستخدمون في الجولة الجديدة صواريخ ” فرط صوتية”، تتجاوز سرعتها بخمس مرات وأكثر، بعد تجربة الباليستية؛ كما أنه لا يمكن أخذ تهديدات ترامب باستهداف المرشد، على محمل الجد؛ لأن الإدارة الأمريكية تعلم اختلاف الحالة الإيرانية عن الفنزويلية؛ والتداعيات التي قد تترتب على ذلك من الغضب، والفوضى… ” العمال” استطلعت الآراء، بشأن السيناريوهات المحتملة.

من جانبه وصف اللواء أركان حرب حمدي لبيب- رئيس مجلس إدارة مركز حوار للدراسات السياسية والإعلامية، ما يقوم به الرئيس الأمريكي في مواجهة إيران اليوم، هو نوع من استعراض العضلات، أنه قادر على فعل ما يريد؛ بدليل اختطافه لرئيس فنزويلا؛ وهو قياس خاطئ؛ لأن الحالة الفنزويلية، شهدت خيانة من داخل صفوف النظام الفنزويلي، وبدور رئيسي لإحدى الدول الأخرى؛ وهذه ليست بالضرورة قابلة للتحقيق في الحالة الإيرانية؛ كما أن رئيس أمريكا لن يستمر في لعب هذا الدور، بعد التفاف الدول أمريكا اللاتينية، وخاصة المكسيك وكوبا وجواتيمالا حول بعضها، وتوحيد صفوفها، في مواجهة التصرفات الأمريكية؛ فضلاً عن الاصطفاف الأوروبي، للحفاظ على جزيرة غرينلان.
وفند اللواء لبيب، ادعاءات ترامب، ومحاولاته الترويج لفكرة امتلاك أمريكا سلاحاً جديداً، استخدمته في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي؛ وأنه لم يكن سوى أحد أسلحة الجيل الخامس، يطلق عليه اسم ” هارب”، وهو سلاح معروف للكثيرين، ويتمثل في استخدام القوة الكهرومغناطيسية؛ وتوجيهها نحو أماكن محددة؛ يترتب عليها توقف جميع الاتصالات؛ وهذا ما حدث بالضبط خلال تنفيذ عملية فنزويلا، وكان في حيز مكاني محدود، وليس الرقعة الجغرافية للجمهورية الفنزويلية كلها.
وقال اللواء لبيب، إنه يستبعد اتخاذ ترامب قراراً بتوجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران في الوقت الراهن؛ وخاصة في ظل وجود معلومات، تفيد امتلاك الإيرانيين لأسلحة متطورة، ومنها الصواريخ الفرط صوتية، ذات الدقة المتناهية في الإصابة، بنسبة 10 متر من الهدف، والتي قد يصل مداها إلى أمريكا، وتستهدف كافة القواعد العسكرية الأمريكية في كل منطقة الخليج، وكذا أكبر قواعد الجنود الأمريكيين في كوريا الجنوبية.
وأضاف اللواء لبيب، أنه ما يفعله الرئيس ترامب، لا يتعدى ثقافة ” الكاوبوي”، مجرد صوت عالي فقط، أو على طريقة لعبة الشطرنج ” كش ملك”، بدون أي جدية حقيقية في توجيه ضربة عسكرية للنظام الإيراني؛ لأنه لو كانت لديه النية لذلك، لنفذها، ودون انتظار؛ ولكنه يمارس هوايته في استعراض القوة، بتحريك أسطول أمريكي ضخم، وحاملات طائرات عملاقة، تدفع تكلفتها بعض الدول العربية، ممن يلعب رئيس أمريكا بأعصابها، من خلال تصدير مشهد إيران المرعبة، والمهددة لوجودهم.
ومن جانبه أكد اللواء عادل الديب- مدير مركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، أن هناك احتمالين لما تقوم به الإدارة الأمريكية تجاه إيران الآن. أولهما: محاولة أمريكا استثمار الحراك في الشارع الإيراني، لتفكيك جمهورية إيران من الداخل، واستبدال النظام بآخر، تصبح معه إيران حليفاً للأمريكان، وتعود معه العلاقات بين طهران وواشنطن، إلى ما كانت عليه قبل عام 1979م.، وتتم تسوية الملف النووي الإيراني.. والاحتمال الثاني: قيام أمريكا بتوجيه ضربة قوية لإيران، تركز على تدمير أماكن السلاح النووي تماماً؛ فضلاً عن قطع قنوات التواصل بين إيران والحركات الأخرى بالمنطقة، وخاصة الحوثيين، لوقف تهديداتهم لحركة الملاحة البحرية.
ويتفق اللواء الديب، مع الرأي الذي يتوقع، أن قيام أمريكا بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، سوف ينتج عنه رد فعل عسكري إيراني، يستهدف كافة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، على غرار ما حدث ضد قاعدة عديد في قطر؛ والتبعات المترتبة على ذلك، سواء كانت: أمنية، أو اقتصادية، أو تجارية في المنطقة؛ مما دفع كل دول الشرق الأوسط، أن ترفع درجات الاستعداد لجيوشها، وخاصة مصري، تحسباً لأي تطورات مفاجئة؛ مع عدم استبعاده لاحتمال أن يتحول التصعيد إلى إشعال فتيل حرب عالمية ثالثة؛ خاصة إذا تحركت كل من روسيا والصين؛ لكونهما ينظران إلى الشرق الأوسط كمنطقة نفوذهما.
وقال اللواء الديب: إن أمريكا وإسرائيل، كلاهما يأخذ بعين الاعتبار أهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للمصالح الروسية والصينية؛ ولذا يجري التحرك الأمريكي في النطاق المسموح به فقط، وضمن إطار المناورات، والمناوشات، وما يشبه ذلك؛ وأما إذا خرج الموضوع عن حيزه، ففي هذه الحالة، تكون الأمور؛ قد تحولت إلى قصة مختلفة نهائياً؛ طالما أنها وصلت إلى إلغاء سيطرة، وهيمنة، بلدين كبيرين؛ وأن بكين وموسكو سوف تعملان بقوة للحيلولة دون سقوط النظام الإيراني؛ بما يضمن للصينيين والروس، المحافظة على مصالحهما العسكرية والاقتصادية، والمشاركة في النظام الدولي.
وتوقع اللواء الديب، احتمالية تغيير للنظام الدولي خلال المرحلة القادمة؛ وإن كانت ليست بالضرورة أن تحدث في عام أو اثنين، بل ربما استغرقت خمس أو عشر سنوات؛ حتى يحدث هذا التحول في النظام الدولي من أحادي القطبية – الذي ظل سائداً منذ عام 1991م.-والدخول في مرحلة تعدد الأقطاب؛ خاصة في ظل وجود إرهاصات حرب عالمية ثالثة؛ مع الأخذ بعين الاعتبار أن مفهوم الحرب اليوم، اختلف عن مفهومها في الماضي؛ بمعنى أنه إذا كانت العالمية الأول، والثانية، والحرب الباردة، اعتمدت على الجيوش والتسليح؛ فإننا اليوم، نعيش عصر الحروب الهجينة؛ مما يجعلك لست بحاجة لتحريك الجيوش؛ لأنك قد تستطيع تدمير بلد ما، بدون صاروخ، ولا طائرة؛ لافتاً إلى أن قوة الحرب السيبرانية، يمكن ملاحظتها في عملية اختطاف غير متوقعة لرئيس فنزويلا من منزلة، دون طلقة أو رصاصة واحدة.
وأضاف اللواء الديب، بأنه على الرغم مما تمتلكه كل من إسرائيل وأمريكا، من تكنولوجيا متقدمة، وقدرة على الهجوم السيبراني بشكل قوي جداً؛ والتهديدات بتوجيه ضربة صاروخية أو جوية ضد إيران، وأن يقوم الإسرائيليون والأمريكان، بإصابة البنية التحتية الإيرانية بحالة شلل تام، وتدمير منصات وقواعد صواريخ إيرانية، أو تعطيلها وعرقلة أدائها، لتقليل واضعاف قدرة إيران في القيام بأي عملية رد؛ ومع كل ذلك فإنه من المستبعد التسليم بأن الإيرانيين سوف يركعون؛ بل سيواصلون التحدي أمام المناورات الأمريكية، بحكم طبيعتهم، ويستمرون في ذلك لأخر لحظة، وأبعد مدى؛ طالما لم يحدث تفكك داخلي، أو اختراق، وخيانة من الداخل.
من جانبه يرى اللواء أركان حرب الدكتور وائل ربيع- مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية للدراسات العليا، أن التجهيزات العسكرية الأمريكية، وعلى المستوى الاستراتيجي في المنطقة، لا تخرج عن أحد أمرين، إما أن تكون مجرد عملية ضغط أمريكية على إيران، لقبول الإيرانيين بشروط ترامب؛ أو أن تكون هناك عملية عسكرية أمريكية فعلية ضد إيران؛ خاصة في ظل حجم التجهيز العسكري الحالي.
وأكد اللواء ربيع، أن كافة التجهيزات العسكرية الأمريكية، ومع وجود حاملة الطائرات النووية العملاقة “جيرالد فورد”، وحاملة الطائرات ” ابراهام لينكولن”، التي تركت بحر الصين الجنوبي، وتوجهت إلى منطقة الشرق الأوسط، تاركة منطقة تشهد أزمة بين الصينيين والأمريكيين بشأن قضية تايوان، وإعادة تمركز عدد من الطائرات المقاتلة للسلاح الأمريكي في قواعد أمريكا بأوروبا؛ فجميعها تشير إلى أنها ليست مجرد ممارسة ضغوط على إيران؛ بل هي ترتيبات لتنفيذ أمريكا ضربة عسكرية ضد إيران.
وقال اللواء ربيع: إن تنفيذ هذه الضربة العسكرية الأمريكية لإيران، غير واضحة المعالم من حيث هدفها، فيما إذا كانت تستهدف الجمهورية الإيرانية، أم النظام الإيراني نفسه؛ والذي بات محكوماً بحسابات عديدة عند الأمريكيين، وتخوفهم من ردة الفعل الإيرانيين، التي لا تقف عند امتلاكهم لصواريخ ” فرط صوتية” كسلاح يتجاوز سرعة الصوت بخمس مرات وأكثر؛ بل في استهداف كافة القواعد العسكرية لأمريكا في المنطقة، وليس مجرد ضرب إسرائيل فقط؛ وخاصة بعد تصريحات نعيم قاسم- أمين عام حزب الله في لبنان، بأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي، في حال تعرضت إيران لهجوم عسكري من أمريكا؛ مما ينذر بإشعال المنطقة كلها.
وأوضح اللواء ربيع، أن لديه قناعة، في عدم قدرة الرئيس ترامب، على أن تكرر القوات العسكرية الأمريكية نفس سيناريو الرئيس الفنزويلي، مع المرشد الإيراني علي خامنئي، أو اغتياله؛ لأنه لن يمر هذا الأمر بسهولة؛ وربما خرج رد فعل الإيرانيين، عن قدرة تحمل الأمريكيين؛ وخاصة مع وجود الحرس الثوري، وقوات الباسيج، وبسبب وجود عقيدة إيرانية راسخة، ترفض الاقتراب من آية الله علي خامنئي؛ وهذا ما يجعل الحالة الإيرانية تختلف عن الحالة الفنزويلية؛ بعيداً عن أي ظروف اقتصادية تعيشها إيران، أو عملية اختراق من الجواسيس، والعملاء للموساد الإسرائيلي.
من جانبه أكد الدكتور جمال طه- كاتب جيوسياسي وباحث في شؤون الأمن القومي، أن الرئيس ترامب شخصية نرجسية عنيدة، لا يتقبل هزيمة، ولا تحدي يمس هيبته الشخصية، وهو من ذلك النمط من البشر الذين لديهم سقف تصعيد مفتوحا بلا حدود، مما يعنى أن عدم خضوع إيران للضغوط والمناورات الأمريكية، من شأنه ينتهي بعملية عسكرية سريعة؛ إلا أن الرئيس الأمريكي ظل متردداً في مسألة حسم قضية الحرب ضد إيران من عدمه، وهو يوازن بين العوامل التي ترجحها، وتلك التي تفرض التريث؛ لذلك تعلل بانتظار مجموعة حاملة الطائرات “ابراهام لينكولن” القادمة من جنوب شرق آسيا؛ وبعد وصولها عاد ليتعلل بانتظار ما اسماه “أسطول أرمادا” قادما من الساحل الشرقي الأمريكي، ليكسب وقتا إضافيا، وممارسة المزيد من الضغوط علها تزحزح إيران عن تصلبها؛ كما وضع أهدافا يسعي لتحقيقها، أولها النووي، وثانيها الباليستي (الأخير قابل للتفاوض حول الأعداد والمديات ووزن الرأس الحربي…).
وقال الدكتور طه: إن الأمريكيين، لم يأخذوا في حساباتهم طبيعة الإيرانيين، كشعب صاحب واحدة من أهم خمس حضارات عرفتها البشرية، ولديهم اعتزاز قومي عالي؛ وأن عملية اخضاعهم بالقوة، هي ليست بالأمر البسيط؛ وأن أي عملية عسكرية أمريكية ضد إيران، سوف تواجه صعوبات كبيرة؛ خاصة في ظل قيام معظم دول الإقليم بإغلاق مجالها الجوي أمام الطيران الحربي الأمريكي، وقطع البحرية لأمريكا؛ وهي تتحسب لاحتمالات اغراقها بأمواج من المسيرات لا قبل لدفاعاتها بمواجهتها؛ فضلا عن عدم وجود عمق استراتيجي لأراضي دولة الكيان الإسرائيلي، وعدم جاهزية دفاعاته الجوية للتعامل مع الإغراق الصاروخي.
وأوضح الدكتور طه، أن الجولة القادمة من الحرب، سوف يخوضها الإيرانيون بصواريخ من نوعية الفرط صوتية، تختلف تماماً الطرازات القديمة من الصواريخ الباليستية، التي استخدمتها ضد إسرائيل. وأضف لهذا وذاك، أن إغلاق مضيق هرمز سيفجر أزمة طاقة عالمية، ستضر بالمصالح الاقتصادية للأمريكيين والعالم؛ وكلها عوامل من شأنها أن تغل يد ترامب في استخدام استراتيجية الحرب الخاطفة؛ وسوف يصبح مهزوماً أمام إيران، وأيا كانت نوع التفاهمات التي يمكن أن تتم بينهما.
ومن جانبه أكد الدكتور عمار قناة- أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيفاستوبول – أردني الجنسية-، أن تحريك حاملات الطائرات، و الفرقاطات العسكرية الأمريكية، في اتجاه منطقة الشرق الأوسط؛ حتى باتت كافة المؤشرات، ترجح أن هناك ضربة متوقعة من السلاح الأمريكي ضد الإيرانيين؛ إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هي الأهداف السياسية، التي من الممكن أن تحققها إدارة البيت الأبيض في واشنطن، من هذا العمل العسكري؛ خاصة وأن الجميع يعلم أن الجمهورية الإسلامية الإيرنية ليست بفنزويلا؛ ومسألة ضرب مفاصل النظام الإيراني، هي غير منطقية؛ ولا تتعدى محاولة ممارسة ضغط نفسي، واستراتيجي أمريكي، على إيران؛ بدليل أن ترامب مازال يدرس الأمور، ويعيد تقييم الأوضاع، ليتفادي أي تداعيات من وراء توجيه ضربة عسكرية لإيران؛ بمعنى أنه لن يقدم على المغامرة؛ مما يجعل الأمر ضبابياً.
وقال الدكتور عمار: إن الرئيس ترامب وضع نفسه في خيارين، فإما أن يتراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، وفي هذه الحالة، تكون بمثابة هزيمة سياسية لأمريكا، وإما أن يقوم بتنفيذ الضربة العسكرية، وعندئذٍ سيكون لها كثيراً من التداعيات الاقتصادية، التي تصيب المنطقة، والعالم كله، بما فيه أمريكا ذاتها؛ وذلك بسبب رد الفعل الإيراني، في توسيع ساحة عملياته بضرب القواعد الأمريكية؛ فضلا عما كشفت عنه حرب الاثني عشر يوما، من وجود خاصرة ضعيفة لأمريكا في المنطقة، وهي إسرائيل؛ وبالتالي، إلى أي مدى تقبل الإدارة الأمريكية في التضحية بالكيان الإسرائيلي.
وأوضح الدكتور عمار، أن لديه قناعة تامة، في أن عدم قبول إيران أي محاولة لإجبارها بالجلوس على طاولة المفاوضات السياسية، والتوقيع على وثيقة استسلام، فهذه تعتبر مسألة وجودية؛ ؛ كما هو الحال، لو ظنت إدارة ترامب، أنه بمقدورها فعل اللامنطقي، واللاواقعي، بالنسبة لإنهاء النظام الإيراني، والسلطة السياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وذلك يرجع إلى سمة التماسك الهيكلية لهذا النظام؛ وإن كان هذا لا يمنع من القول بإمكانية تعرضه لحالة إضعاف، كطرف في منظومة الشرق الأوسط؛ وإن حدث هذا أيضاً، فسوف يكون بشكل مؤقت خلال المرحلة الراهنة، وليس على المنظور الاستراتيجي البعيد.
وأشار الدكتور عمار، إلى أن نظام ترامب يعيش إشكالية حقيقية خلال هذه المرحلة، تكمن في لعبة الاستقطابات، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي؛ وفي هذا الاطار جاءت عملية فنزويلا، ومحاولة الاستحواذ على غرينلاند، ثم اتجه إلى الشرق الأوسط من أجل ضرب إيران؛ بل وصل الأمر بإعلانه استهداف المرشد الإيراني ذاته؛ والتي ستكون من الأخطار الاستراتيجية التي سترتكبها أمريكا؛ لأن تداعياته سوف تؤثر سلباً على أمريكا والمنظومة الدولية، من خلال موجات الاضطراب المسلح الدولي، نظراً للمكانة التي يحتلها المرشد في نفوس أتباعه من الشيعة، ولا سيما في باكستان، وأفغانستان، والهند، وأماكن متعددة أخرى عالميا؛ إذ أن هذا المنصب روحي، وليس سياسي.
وأضاف الدكتور عمار، بأنه لا ينبغي لأحد أن يغفل الموقف الروسي والصيني؛ والذي لا يمكن له أن يتخلى عن إيران، خلال مواجهتها العسكرية مع أمريكا؛ موضحاً بأنه ينبغي قراءة لقاء بوتين مع علي لاريجاني- ممثل مجلس الأمن القومي الإيراني، بالمعنى الحقيقي له، من وجود ترتيبات يتم الاتفاق عليها، ولكن دون الإعلان عنها؛ خاصة وأن هناك الكثير من العمليات السياسية، وجزئياً العسكرية، التي تجري خلف الأبواب المغلقة، وبعيداً عن مكبرات الأصوات، والكاميرات؛ إذ أنه ليس من التقاليد والأعراف السياسية الصينية والروسية، الإفصاح عن كل شيء؛ وذلك على عكس ثقافة الاستعراضات الإعلامية الأمريكية.
ومن جانبه يرى الدكتور عبدالحسين شعبان- المفكر والباحث السياسي العراقي في اﻟﻘﻀﺎﻳﺎ اﻻﺳﺘﺮاﺗﻴﺠﻴﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﺪوﻟﻴﺔ، وجود ثلاث سيناريوهات.. فالسيناريو الأول: أن تبدأ الحرب؛ حيث تفشل المفوضات الأمريكية- الإيرانية، أو لا تقوم من الأساس، وبالتالي تستغلها أمريكا وترامب حجة، من أجل توجيه ضربة عسكرية لإيران، وللمفاعلات النووية الإيرانية؛ وربما تحدث فوضى، ويتم الإطاحة بالنظام الإيراني، أو تندلع شرارة حرب أهلية، وهذا أحد الأشياء المتوقعة.. والأمر الثاني، أن تقبل إيران بتقديم تنازلات، أو تتراجع، في محاولة منها لكسب مزيد من الوقت؛ وبالتالي يتراجع الرئيس ترامب، من بعد أن يحقق بعض المكاسب، والحصول على تعهدات من إيران بالتعاون.. والشيء الثالث، أن يبقى الحال على ما هو عليه. كما أنه من الأمور المطروحة، ان تجري تسوية، وبناء عليها يتراجع الدور الإيراني، وتحد من نفوذها في المنطقة، وتنكفي على ذاتها في الداخل؛ وهذا فيه رضاء للجانب الأمريكي، ويحقق المصلحة الأمريكية.
وقال الدكتور عبدالحسين، إنه حال تعرض إيران لهجوم عسكري أمريكي، فسوف تدافع عن نفسها ، وربما ستصوب نيرانها، في اتجاه حلفاء أمريكا، من دول خليجية، كما حدث في حرب الاثني عشر يوماً، ضد قاعدة العديد الجوية في الدوحة؛ وقد تستهدف قواعد أمريكية أخرى في الخليج، سواء في البحرين، او المملكة العربية السعودية، وحتى في الإمارات، وقطر مرة أخرى، وإسرائيل؛ حيث تدرك إيران، أن المعركة لو بدأت هذه المرة، فإنها ستعني تكسير عظام؛ وبالتالي، فالمتوقع أن إيران سوف تدافع بأسنانها دفاعاً عن وجودها.
وأوضح الدكتور عبدالحسين، أن ضرب إيران لحلفاء أمريكا في المنطقة، ربما يخلق رأي عام داخل هذه البلدان، رافضة لقيام الحرب من الأساس؛ وقد يؤدي إلى تصدع في العلاقات العربية الأمريكية، ليس حباً في إيران، ولكن للمخاطر الكبيرة التي تلحق بهذه الدول. مشيراً إلى أن مشاركة إسرائيل، تظل غير واضحة، وتعتمد على التنسيق بينها وبين أمريكا؛ وقد تجدها إسرائيل فرصة، لشن حرب مكملة، ومتممة للحرب الأمريكية، ظننا منها في أن توجيه ضربة كبيرة لإيران، سوف يفتتها؛ ومتى تحقق ذلك، سيترتب عليه إضعاف إيران؛ وخاصة مع انبعاث القوميات المتعددة.
وأشار الدكتور عبدالحسين، إلى عدم الرهان على تدخل روسيا في هذه المرحلة للمشاركة مع إيران، أو في الدفاع عنها، وذلك بسبب ظروف التورط الروسي في حرب ضد أوكرانيا، منذ عام 2022، والشهر المقبل تكون دخلت عامها الرابع، من دون أن تحسم روسيا المعركة لصالحها، رغم تقدمها في داخل الأراضي الأوكرانية، أو الروسية التي تريد أن تستعيدها؛ على الرغم من امتلاكها أسلحة متطورة، والنووية، ومع ذلك لم تتمكن من تحقيق نصراً سريعاً في معركة، بشكل قد أثر على الوضع الداخلي في روسيا، والاقتصاد الروسي، وعملة الروبل؛ بل وعلى بعض التحالفات الروسية. ولذلك لن تستطيع روسيا الانحياز إلى جانب إيران؛ حتى وإن كانت العواطف الروسية مع الإيرانيين، حيث أن الروس غير قادرين على الدخول في حربين في آن واحد.
وأضاف الدكتور عبدالحسين، أن ما ينطبق على روسيا، ينطبق بشكل أكبر على الصين، التي معركتها أكبر مع أمريكا، وهي معركة من يمتلك الذكاء الاصطناعي، حتى أنه إذا قيل في الحرب العالمية الأولى، كان من يمتلك النفط، يستطيع السيطرة على العالم؛ فقد يصح القول اليوم: إن من يمتلك الذكاء الاصطناعي ، يسيطر على العالم؛ حيث أن هذه الرقائق والشرائح الالكترونية، هي القوة الناعمة، التي لها تأثير أقوى من القوى العسكرية، وحتى الاقتصادية والثقافية؛ وهي قوة من الممكن أن تتغلل في الاقتصاد، في الجيش، والمؤسسات العسكرية؛ وفي التعليم والمالية؛ وفي كل المجالات؛ وهذه يمكن أن تعيد صياغة الوضع الدولي، وتعيد توازن القوى؛ وأن المنافسة حامية على هذا الصعيد، وعام 2030 سوف تكون محطة جديدة على هذا الصعيد.
لافتا، إلى أن دور جبهات الاسناد، لن يكون بنفس مستوى التأثير الذي كانت عليه في السابق؛ عندما كانت جبهة اليمن حامية، وجبهة لبنان قوية، جبهة العراق كانت مشاركة إلى حد ما، مع وجود سوريا محيد إلى حد ما، للحيلولة دون دخول قوى معينة ضد إيران؛ بينما الآن فإن كل هذه الجبهات تكاد تكون توقفت، إذ أن جبهت لبنان معطلة، وجبهة غزة محطمة، وجبهة سوريا معومة، وجبهة العراق، غير قادرة على أن تفعل أي شيء؛ ولا سيما أن كثيراً من الجبهات قامت بتسليم سلاحها، وانصاعت لقرار الدولة بحصر السلاح، ولذا ينبغي أخذ كل ذلك بعين الاعتبار.
ومن جانبه أكد الدكتور سمير حجاوي “أردني الجنسية”- المحلل السياسي، ومشرف التغطيات الخاصة في الجزيرة مباشر سابقا، أن تحرك مجموعة حاملة الطائرات الأميركية يو إس إس أبراهام لنكولن إلى نطاق القيادة المركزية في الشرق الأوسط، يفتح عادةً عدة مسارات محتملة، السيناريو الأول، هو استمرار “استعراض القوة” مع رسائل سياسية وعسكرية متبادلة، ومحاولة دفع إيران إلى مسار تفاوض بشروط قاسية أو تهدئة في ملفات النووي والصواريخ والإسناد الإقليمي، مع بقاء الاشتباك تحت سقف المناوشات المحدودة. بينما السيناريو الثاني ضربات محدودة ومركزة، غالباً تُصاغ كعمليات “منع أو إحباط” ضد أهداف مرتبطة بالنووي أو منصات صاروخية أو بنى قيادة وتحكم، مع السعي لتجنب حرب مفتوحة، لكنه سيناريو عالي المخاطر لأن إيران ترد عادةً بشكل غير متماثل وقد توسّع دائرة الرد. والسيناريو الثالث حادث بحري أو سوء تقدير في الخليج أو قرب مضيق هرمز يتحول إلى سلسلة تصعيد متدحرجة، وهذا أخطر من “قرار الحرب” نفسه لأن ديناميات الرد والرد المقابل قد تتجاوز نوايا الطرفين. والسيناريو الرابع “تسوية تحت الضغط” عبر وسطاء إقليميين ودوليين لمنع الضربة أو احتواء الرد، وهو مسار تعمل عليه أطراف متعددة عندما ترتفع مؤشرات الانفجار.
وقال الدكتور حجاوي: بإنه على الجانب الآخر، هناك أوراق ردع إيرانية، تقوم على سلة أدوات وليس أداة واحدة، ومنها: أولاً القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة كقدرة على الإيلام الإقليمي وتهديد القواعد والمنشآت الحيوية ضمن نطاقات مختلفة، مع رسائل متكررة بأن القوات الأميركية في الإقليم “ضمن المدى”، وهو ما ظهر أيضاً في تصريحات رسمية نقلتها تغطيات إعلامية خلال التصعيد الحالي. وثانياً ورقة مضيق هرمز وأمن الملاحة والطاقة، ليس بالضرورة عبر إغلاق كامل، بل عبر رفع المخاطر والتكلفة التأمينية والاقتصادية بما يضغط على الأسواق وعلى حلفاء واشنطن. وثالثاً الشبكات الحليفة أو الصديقة في المنطقة، التي تتيح لإيران توسيع الرد خارج الجغرافيا الإيرانية وبطرق متفاوتة الشدة، مع هامش “إنكار أو غموض” أحياناً. ورابعاً أدوات الحرب السيبرانية والتشويش والمعلومات، وهي عادةً جزء من أي تصعيد حديث حتى لو لم تُعلن تفاصيله. وخامساً ورقة “الصبر الاستراتيجي” والقدرة على امتصاص الضربة ثم الرد المتدرج، بما يحوّل أي ضربة محدودة إلى استنزاف طويل إن اختارت طهران ذلك.
وأضاف الدكتور حجاوي، بأنه يجب عدم إغفال دور جبهات الاسناد؛ حيث أنها لم “تخرج من الخدمة” بالكامل؛ وإن كانت ستبدو أقل حرية في الحركة، أو أكثر حذراً بحسب ظروف كل ساحة والضغط العسكري والسياسي عليها وحسابات الجمهور المحلي؛ موضحاً أنه في لحظات التوتر الكبرى، قد تختار بعض الأطراف الإسنادَ المحسوب لتفادي جرّ ساحتها إلى تدمير واسع، بينما تختار أطراف أخرى رفع الإيقاع لإرسال رسالة ردع؛ ولذلك فالمؤشر الحقيقي ليس وجود هذه الجبهات من عدمه؛ بل مستوى التنسيق، وسقف الأهداف، ومدى استعدادها لتحمل ردود قاسية، وهذه عوامل تتغير بسرعة مع كل ضربة وكل وساطة.
لافتاً إلى أن روسيا والصين، لن يكون لهما تدخل عسكري مباشر، وستميلان غالباً إلى الدعم السياسي، كما فعلت موسكو وبكين خلا حرب الـ 12 يوم، مع فتح قنوات وساطة، وتقديم دعم استخباري أو تقني محدود، أكثر من تدخل عسكري مباشر ضد الولايات المتحدة في مسرح الخليج؛ كما أن الروس قد يستثمرون الأزمة لتشتيت واشنطن عن ملفات أخرى أو لتبادل مصالح، وفي نفس الوقت ما يهم الصينيين بالدرجة الأولى استقرار تدفقات الطاقة والأسواق، وقد تضغط باتجاه التهدئة لحماية اقتصادها وسلاسل الإمداد، كما أن كوريا الشمالية، إن حضرت، فعادة يكون ذلك عبر تعاون تقني محدود أو رسائل سياسية، لا عبر حضور قتالي مباشر في المنطقة.
خبراء استراتيجيون: معركة إيران وأمريكا تكسير عظام والإيرانيون سيدافعون عن وجودهم بأسنانهم ويستهدفون كافة القواعد الأمريكية بالخليج والمنطقة

