Site icon بوابة العمال

المهندس خالد محمود خالد يكتب: الفضيحة بين الماضي والحاضر تكشف الوقائع أن القبح ليس جديدًا

عندما تنفجر فضيحة كبرى في زمننا المعاصر، يتعامل معها كثيرون على أنها ذروة الانحطاط الإنساني، وكأن التاريخ لم يشهد قبلها مثل هذا القدر من القسوة أو الفساد. غير أن مراجعة الوقائع الموثقة تكشف أن ما يحدث اليوم ليس سوى امتداد طبيعي لسلوك بشري قديم، يتكرر كلما امتلكت فئة محدودة من الناس السلطة دون رقابة حقيقية.

في أربعينيات القرن الماضي، وخلال الحرب العالمية الثانية، أنشأ الجيش الياباني وحدة سرية عُرفت باسم “الوحدة 731”. هذه الوحدة أجرت تجارب علمية على أسرى صينيين وكوريين وروس، شملت تشريحهم وهم أحياء، وتعريضهم للأمراض القاتلة عمدًا لدراسة تطورها، وتجارب تجميد للأطراف لمعرفة حدود تحمّل الجسد البشري. لسنوات طويلة.

انكرت الحكومة اليابانية وجود هذه الجرائم، ولم يُكشف حجمها الحقيقي إلا بعد انتهاء الحرب وظهور شهادات ووثائق.

وفي الولايات المتحدة نفسها، التي ترفع شعار حقوق الإنسان، جرت تجربة توسكيجي الطبية بين عامي 1932 و1972، حيث تُرك مئات الرجال السود المصابين بمرض الزهري دون علاج، رغم اكتشاف العلاج الفعّال، فقط لمراقبة تطور المرض في أجسادهم. لم يُخبر الضحايا بحقيقة حالتهم، ولم تُقدَّم لهم المساعدة، واستمر الأمر أربعين عامًا حتى كُشف للرأي العام.

أما في فيتنام عام 1968، فقد ارتكب جنود أمريكيون مذبحة ماي لاي، حيث قُتل مئات المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ في قرية واحدة. في البداية أعلنت القيادة العسكرية أن القتلى كانوا مقاتلين، لكن تحقيقات صحفية لاحقة وشهادات جنود فضحت الحقيقة، وأظهرت أن ما حدث كان مجزرة متعمدة بحق مدنيين عُزّل.
وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، نفذت وكالة الاستخبارات الأمريكية برنامجًا سريًا عُرف باسم MK-Ultra، جرت خلاله تجارب للتحكم في العقل باستخدام المخدرات والتنويم المغناطيسي على مواطنين دون علمهم أو موافقتهم. بعض الضحايا أصيبوا بأضرار نفسية دائمة، وبعضهم توفي، بينما أنكرت الحكومة البرنامج سنوات طويلة قبل أن تعترف به رسميًا بعد تحقيقات الكونغرس.

هذه الوقائع ليست استثناءات نادرة، بل نماذج متكررة لكيفية تصرف السلطة حين تشعر بأنها بعيدة عن المساءلة. كانت الجرائم تُرتكب باسم العلم أو الأمن القومي أو المصلحة العليا، ثم يُفرض عليها ستار كثيف من السرية والإنكار.

عند الانتقال إلى الحاضر، نجد أن فضائح العصر الحديث، رغم اختلاف أشكالها، تحمل الجوهر نفسه. شبكات استغلال منظمة، فساد مالي ضخم، وتواطؤ مؤسسي يسمح للجناة بالإفلات لفترات طويلة. الفارق أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت من الصعب دفن الحقيقة بالكامل، لكنها لم تمنع محاولات التعتيم أو التشكيك أو تشويه الضحايا.

اللافت أن ردود الفعل المجتمعية تكاد تكون نسخة مكررة عبر العصور. في كل مرة تظهر فيها جريمة كبرى، يخرج من يقول إنها مبالغ فيها أو مستحيلة، ومن يبررها بدوافع سياسية، ومن يطالب بالصمت حفاظًا على “الاستقرار”. هكذا استمر التستر في الماضي، وهكذا يحاول البعض إدامته اليوم.

لكن التاريخ يعلّمنا درسًا قاسيًا: كثير من الفضائح التي وُصفت يومًا بأنها أكاذيب أو دعاية معادية، ثبت لاحقًا أنها حقائق موثقة، بل وأبشع مما تصوّره الناس. وهذا لا يعني أن كل اتهام معاصر صحيح، لكنه يعني أن الثقة العمياء في الروايات الرسمية كانت دومًا أحد أسباب استمرار الجرائم.

إن الربط بين فضائح الأمس واليوم يكشف أن المشكلة ليست في عصر معين، بل في العلاقة المختلة بين السلطة والمحاسبة. كلما ضعفت الرقابة، تمدد الفساد، وكلما شعر أصحاب النفوذ بالأمان، تجاوزوا الحدود الأخلاقية والإنسانية.

قد يكون عصرنا أكثر قدرة على كشف المستور، لكنه لم يصبح أكثر عدالة بالضرورة. فكثير من الجرائم الحديثة تُكشف، لكن حساب المسؤولين عنها يظل جزئيًا أو مؤجلًا، كما كان الحال في الماضي.

في النهاية، فإن فضائح التاريخ ليست مجرد قصص سوداء نقرأها للعبرة، بل مرايا تعكس حاضرنا وتحذّر من مستقبل قد يكون أشد قسوة إن استمرت الأنماط نفسها. فحين يتكرر التستر، ويتعوّد المجتمع الصدمة، تتحول الجرائم من أحداث استثنائية إلى سلوك ممنهج.

بين الماضي والحاضر خيط واضح لا ينقطع: السلطة بلا محاسبة تصنع الفظائع، والإنسان حين يُترك دون رقيب قادر على تجاوز كل الحدود.

والتاريخ، لمن ينصت إليه جيدًا، لا يروي فقط ما كان… بل ينبّه إلى ما قد يكون.

المهندس خالد محمود خالد يكتب: الفضيحة بين الماضي والحاضر تكشف الوقائع أن القبح ليس جديدًا

Exit mobile version