عايدة عوض تكتب : مصر و توازن القوى

تكلمت كثيراً عن توازن القوى عندما تطرقت الى الوضع في الخليج. ويبدو ان هذا مفهوم غير وارد لدى الكثير من المصريين. لكي نتمكن من تفهمه وقبول فكرته لابد وان نجرد انفسنا من كل تحامل ومشاعر في الحكم على السياسة.
لابد وان يكون الحكم عقلاني تماماً ولا نترك العنان للمشاعر التي كثيراً من تصيب العقل بضبابية تؤدي به الى اتخاذ القرارات الخاطئة والتي في غير مصلحة الدول والشعوب.
لنا عقود في الشرق الاوسط ونحن تحت سيطرة امريكا. ومع سيطرة امريكا ورثنا سيطرة الصهيونية. وبذلك نجد ان الصهيونية تغلغلت في الوجدان العربي في الشرق الاوسط بغطاء أمريكي، بحيث وصل بنا الحال ان نجد ان السعودية مركز الإسلام تنحاز في قراراتها الى امريكا واسرائيل وتعتبر المساند الاول لهم في المنطقة.
ولكن إحقاقاً للحق نجد ان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يحاول الخروج من تحت عبأه امريكا والصهيونية ولذا كانت هناك “قرصة ودن” قوية بعض الشئ بمسألة خاشقچي والتي شجع على القبض عليه چاريد كوشنر وقام بالتجسس على تفاصيلها اردوغان. وكل هذا لان الأمير محمد بن سلمان بدأ بالاتجاه للشرق، وادخل روسيا الى أوبك+١ وبدأ الاستثمار في الصين وحاول كسر القبضة الحديدية لامريكا على البترول السعودي وعلى الثروات السعودية.
كون ان هناك قوة عظمى واحده هذه مشكلة كبيره لان السلطة المطلقة مفسدة مطلقة . وهذا ما حدث للصهيونية العالمية عندما تمكنت من كل مفاصل أقوى دولة في العالم. رفعت برقع الحياء وقامت بكل ما تريد من بطش واستيلاء إجرامي ونهب لثروات وهدم لدول وكله عن طريق مخلب القط – امريكا.
ولكن مع صعود دول الشرق وعلى رأسهم عسكرياً روسيا واقتصادياً الصين والهند نجد انه بدأ اعتدال التوازن في القوى العالمية.
عندما يصعد نجم طرف يغيب النجم المقابل، ونحن الان في الوقت الحرج الذي يتهاوى نجم الغرب امام صعود نجم الشرق. ولكن اهم شئ في كل ما يحدث هو عدم تكرار نفس الغلطة حيث تم القضاء الشبه الكامل على الطرف الاخر حتى اصبح لا يوجد ألا طرف واحد.
لا نريد الهدم الكامل للغرب، بل نريد فقط إضعافه كي يوازي قوة الشرق وحيث يمكن ايجاد التوازن بين القوتين بحيث تكون الواحده منهم الرادع للأخرى. التوازن هو الذي يساعد على ايجاد السلام ونوع من العدل.
التوازن هو السياسة المتبعة من مصر، ولذا نجدها لديها علاقات طبيعية، أحياناً تكون جيده وأحياناً اخرى يشوبها شئ من الجفاء عندما تحاول واحدة من الدول الكبرى إرغام مصر على عمل ما لا تقبله. نهجت مصر منذ ١٩٥٢ نهج دول عدم الانحياز وكانت كتلة مؤثرة في السياسة العالمية حتى تمكنت امريكا من هدمها مع هدم الاتحاد السوفيتي حتى تستأثر بالقوة العظمى منفردة.
مصر تحاول التعايش في هذا العالم الاحادي القوة وكان هذا وقت تفاوضات مصر على استرداد أراضيها التي ضاعت جراء حرب ١٩٦٧. وقد قالها السادات بصريح العباره بأن كل الأوراق في يد امريكا. وكان فعلاً هذا هو الوضع.
ولكن لم تكن الصهيونية العالمية قد غرست أظافرها بعمق في الجسد الأمريكي فكان هناك شئ بسيط من الحيادية وتمكن السادات بذكائه وحنكته السياسة من إبرام معاهدة سلام مع اسرائيل ، بها الكثير من الشوائب بالنسبة لمصر، ولكنها كانت الشئ الوحيد الممكن في هذا الوقت وتحت هذه الظروف.
وكانت هناك فرصة للروس للعودة الى مصر لكنهم أهدروها عندما رضخوا لمطالب امريكا بعدم بيع نوعيات من السلاح المتقدم لمصر قبل حرب ١٩٧٣ .
وعندما حاولوا الضغط على مصر للموافقة على إقامة قاعدة عسكرية روسية على اراضيها. ولابد من الإشادة بكل الرؤساء المصريين الوطنيين (الا مرسي) والذين جميعاً رفضوا اي نوع من القواعد العسكرية تقام على أراضي مصر. وهذا وحده اكد على استقلالية القرار الى حد كبير ولو ان الاقتصاد الضعيف كان عائق كبير جداً لهذه الاستقلالية.
الان نجد ان العالم يتجه الى صعود القوى الشرقية في مقابل انحصار القوى الغربية وقد نصل الى التوازن في القوى لو لم تحاول امريكا والصهيونية العالمية السيطره بالقوة العسكرية وهدم الدول المنافسة لها. لو دخلت في حرب بغية القضاء على منافسيها قد يكون هذا قرار يهدم امريكا نفسها.
لو زاد التنافس التجاري والذي اصبح مواجهة تجاريه وعلى وشك ان يصبح حرباً تجارية بين امريكا والصين، فقد نجد اننا على اعتاب الحرب العسكرية الساخنة. وحتى الان نجد انه بالرغم من كل الاستفزازات الا ان باقي الدول لا تعطي امريكا الفرصة للقيام بالحرب.
اكبر مثال على إمكانية الفوز باستخدام التوازن بين القوى المضاده هو ما تقوم به مصر منذ تولي السيسي. فكانت سياسته متزنه جداً من عدم معاداة اي طرف وتحسين علاقة مصر بكل الدول والدخول في شراكات اقتصادية مغرية للدول الاوروبية التي شارفت على الدخول في ركود اقتصادي، وحتى شراء صفقات أسلحة منها تنعش اقتصادها الى حد ما.
ودخلت مصر ايضاً في شراكات اقتصادية مع الدول الشرقية ومن أهمها اشتراكها في المشروع العملاق حزام واحد- طريق واحد الصيني. فنجد ان مصر في ٢٠٢٠ لديها علاقات طيبة مع الأطراف المتصارعة وتحاول الإبقاء على حيادها تجاه الجميع.
وقد جنت من وراء هذه السياسة احترام كل الدول التي تعاملت معها من منطلق الندية. فزاد تعاون مصر مع دول الشرق والغرب بالمثل ووصل بها الحال ان بدأت هذه الدول تغازل مصر لاستمالتها الى احد الأقطاب. ولكن مصر ماضية في طريق الحياد الإيجابي والذي يجعلها صديقة للجميع ومصلحتها هي التي تحتم مدى تعاونها مع باقي الدول.
نجد على سبيل المثال ان حاولت روسيا التدخل والسعي في حل الازمة بين مصر وإثيوبيا على سد النهضة، ولكنها فشلت. ونجد السيسي يطلب من امريكا التدخل لحل الازمه ونجدها احرزت بعض التقدم وقد تكون وصلت الى الحل الذي يكون عادلاً لكل الأطراف.
ونجد الوضع بالنسبة لتركيا هو نقيض ما تفعله مصر، فقد تمكن اردوغان من استعداء كل الدول الكبرى والأوروبية وحتى الشرقية التي لديه معها مصالح. وهذا الاستعداء جعل العالم يتكتل ضده في موقفه الاخير من كل من التدخل في شرق المتوسط وفي التدخل في الشئون الداخلية الليبية. ولكن نجد تركيا في صراع مع نفسها، تارة تحاول مغازلة مصر للانضمام لها في طموحاتها في شرق المتوسط، وتارة تقوم بالتجسس على مصر وبتأجيج الشعب ضد الحكومه في الداخل المصري.
ولكن مصر ماضية في طريقها بوضوح، حيث تبعث في كل مجال برسالة واضحة وهي انها بلد مسالمة ولا تريد خوض اي حرب، ولكنها بلد قوية وستدافع بشراسة عن حقوقها وسيادتها وكيانها. وهذا كان له شديد الاثر عبر مناورات “قادر ٢٠٢٠” وكذلك عبر افتتاح قاعدة برنيس على البحر الاحمر. وكل هذه رسائل واضحة لمن تسول له نفسه محاولة الاعتداء على مصر او مياهها الاقتصادية كانت في المتوسط او الاحمر.
التوازن في علاقة مصر مع دول العالم هو الذي جعل منها رومانة الميزان في الشرق الاوسط. لحيادها الإيجابي وتعدد مصادر سلاحها وتمكنها من تطويع كل هذه الاسلحة لتتماشي مع بعضها البعض في تلاحم قتالي مثل الذي استعرضته في مناورات “قادر ٢٠٢٠”.
وبالرغم من كل الحروب الدائرة حول مصر، لم تدخل او تتورط في اي منها، وبالرغم من الاستفزازات القوية من تركيا وبتمويل قطري. لان مصر اكبر من ذلك. مصر الان تصنف كإحدى القوة العظمى أقليمياً ولذا نجد اردوغان يحاول تارة استمالتها وتارة اخري يقوم بتهديدها. ولكن مصر متزنه ولا تستدرج الى اي موقف لا تريده ولكنها قوية في محاربة اي تدخل في شئونها الداخلية او اي تهديد لحقوقها اي كانت.
مصر أصبحت الان قوة لا يستهان بها في الاقليم وبالرغم من ان اقتصادها ليس الأحسن بين دول الاقليم – بالرغم من ان معدل نموها هو الأعلى في العالم حسب ما قاله الدكتور طلال أبو غزاله ولكنها لديها مواصفات ترفعها الى مصاف الدول في الشرق الاوسط. وبالرغم من محاولات تركيا الفوز بهذا المنصب، الا انها – لتردي علاقاتها بالكثير من الدول – لم تتمكن بعد من الوصول الى انها الدولة الرائدة في الاقليم.
تعاملات مصر كلها من منطلق دولة قوية لا تتهاون في حقوقها وتدافع بشراسه عن ارضها وسيادتها ولا تعتدي على احد. دولة يقوم رئيسها بالتعامل من منطلق اخلاقي مع عالم “قلت فيه الأخلاق”. فالمثل المصري “إمشي دوغري يحتار عدوك فيك” ينطبق بحذافيره في الحالة المصرية الحالية.
ولهذا وجدنا تأثيرها في القرارات التي اتخذت في برلين بالنسبة لمشكلة ليبيا وفي الترحاب برئيسها في المجالات العالمية المختلفة.
من تجربة مصر الواقعية فيبدو ان التوازن هو الحل.
حفظ الله مصرنا الحبيبة وأبناءها الواعين.