آراء

المهندس خالد محمود خالد يكتب: اليورانيوم من أعماق البحار.. هل يصبح وقود المستقبل النووي؟

في ظل السعي العالمي المتواصل نحو مصادر طاقة نظيفة ومستدامة، تبرز أفكار علمية غير تقليدية قد تعيد رسم خريطة موارد الطاقة في العالم، ومن بينها استخلاص اليورانيوم من مياه البحار. فاليورانيوم يُعد الوقود الأساسي لمحطات الطاقة النووية التي توفر كميات كبيرة من الكهرباء مع انبعاثات كربونية منخفضة، وقد اعتاد العالم على استخراجه من المناجم البرية، إلا أن الدراسات تشير إلى أن المحيطات تحتوي على كميات هائلة منه مذابة في المياه.

ورغم أن تركيز اليورانيوم في كل لتر من مياه البحر منخفض للغاية، فإن الامتداد الهائل للمحيطات يجعل الكمية الإجمالية ضخمة جدًا، بل تتجاوز الاحتياطيات الأرضية المعروفة بأضعاف.

هذه الحقيقة دفعت العلماء إلى التفكير في إمكانية تحويل البحار إلى مصدر طويل الأمد للوقود النووي، خاصة في ظل توقعات بارتفاع الطلب العالمي على الطاقة خلال العقود المقبلة.

تعتمد آلية الاستخلاص على مواد صناعية خاصة تُصنع في صورة ألياف أو حبال، تُثبت في مياه البحر وتُترك لفترات تمتد لأسابيع.

وخلال هذه المدة تلتقط هذه المواد ذرات اليورانيوم الذائبة في الماء بشكل تدريجي. وبعد انتهاء فترة التعريض، تُسترجع المواد وتُعالج بطرق كيميائية لاستخلاص اليورانيوم منها، ثم يمكن إعادة استخدامها في دورة جديدة. وتمتاز هذه الطريقة بأنها تستفيد من حركة المياه الطبيعية بدلًا من ضخ كميات هائلة منها إلى محطات معالجة.

بدأت اليابان منذ سبعينيات القرن الماضي أبحاثًا رائدة في هذا المجال، ونجحت في إجراء تجارب عملية في البحر لتطوير مواد أكثر كفاءة.

كما دعمت الولايات المتحدة برامج بحثية لتحسين أداء المواد وزيادة كمية اليورانيوم التي يمكن جمعها في كل دورة تشغيل. ودخلت الصين وكوريا الجنوبية أيضًا هذا السباق البحثي ضمن استراتيجيات بعيدة المدى لتعزيز أمن الطاقة لديها. ورغم هذا التقدم، لا تزال التقنية في إطار التجارب ولم تصل بعد إلى مرحلة الإنتاج التجاري الواسع.

وتواجه الفكرة عدة تحديات رئيسية، أبرزها الانخفاض الشديد في تركيز اليورانيوم في مياه البحر، ما يتطلب مساحات واسعة من المواد الخاصة وفترات تشغيل طويلة.

كما أن تكلفة الاستخلاص الحالية تفوق تكلفة التعدين التقليدي، إضافة إلى تأثير البيئة البحرية، حيث تتراكم الكائنات الدقيقة والطحالب على الأسطح المستخدمة، ما يقلل من كفاءتها ويزيد الحاجة إلى الصيانة.

ويظل الحفاظ على التوازن البيئي أولوية أساسية في أي مشروع من هذا النوع.

ورغم هذه العقبات، يرى كثير من الخبراء أن المحيطات تمثل احتياطيًا استراتيجيًا هائلًا قد يضمن إمدادات الوقود النووي لآلاف السنين إذا ما تطورت التكنولوجيا وأصبحت أكثر كفاءة وأقل تكلفة. وبين الواقع الحالي والطموحات المستقبلية، يبقى استخلاص اليورانيوم من البحار نموذجًا حيًا لقدرة البحث العلمي على استكشاف حلول مبتكرة لتحديات الطاقة، وقد يحمل في طياته أحد مفاتيح أمن الطاقة العالمي في المستقبل.

المهندس خالد محمود خالد يكتب: اليورانيوم من أعماق البحار.. هل يصبح وقود المستقبل النووي؟

زر الذهاب إلى الأعلى