Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: بين “جرسون” روما و”حقد” الدراما.. من يعلم من يا قصار الذاكرة؟

حين كانت القاهرة “سك لعملة” الحضارة، كان الآخرون مجرد هوامش في دفتر التاريخ؛ وحين كانت شوارعنا تضج برقي اللغات، كانت عواصمهم تبحث عن صوت في فراغ الزمان.

لا تظنوا أن صمت “أهراماتنا” ضعف، ولا تتوهموا أن انشغالنا ببناء غدنا قد أنسانا هيبة ماضينا، فمصر ليست مجرد “لوكيشن” لتصوير خيالاتكم المريضة، بل هي “المركز” الذي لولاه لما عرفتم للفن طعما ولا للثقافة لونا.

إنها محاولة يائسة من “أقزام” يحاولون التطاول على عمالقة، متناسين أن الشمس لا تغطى بغربال مسلسل، وأن الكرامة المصرية “خط أحمر” يحرق من يقترب منه بنيران الحقيقة.

يقول المثل المصري العتيق؛ “إن عيروني بالفقر، أعيرهم بالأصل”.. ويبدو أن البعض في دراما “الجوار” قد أصيب بعمى ألوان تاريخي، فظنوا أن انحناءة الزمن لظروف اقتصادية عابرة هي صك غفران لتزييف الحقيقة.

أتحدث عن مسلسل “الغميضة” وأمثاله من سقطات الإنتاج التي تحاول “بمنتهى الوضاعة الفنية” حصر القامة المصرية في دور “البواب” أو “الخادمة” في فترة السبعينيات.. فدعونا ننعش ذاكرتكم المهترئة بالحقائق التي لا تحترق.

فحين كانت القاهرة “قبلة الأسياد”، يا سادة يا كرام، في الوقت الذي كان أجدادكم يبحثون فيه عن “خيمة” أو “طريق”، كانت شوارع القاهرة تضيق بالوافدين من “أوروبا” للعمل تحت أقدام المصريين.. هل نسيتم؟

فكان الجرسون إيطاليا يفتخر بخدمة الباشا المصري، وكان المصوراتي يونانيا يوثق عظمة ملامحنا، وكان الترزي أرمنيا والحلاق لبنانيا والحلواني سوريا.

وكانت مصر “المغناطيس” الذي يجذب “الأمم” لتخدمها، ليس استعلاء منا، بل لأن الجنيه المصري كان يزن (4.80 دولار)، ولأن “المحروسة” كانت هي الأمل والمبتدأ والخبر.

وتأتي الدراما الرخيصة تزييف السبعينيات.. مراهقة فنية أم حقد سياسي؟، فإن تخرج مسلسلا عن السبعينيات وتجعل “المصري” هو الهامش (بواب أو شغالة)، فهذا ليس فنا، بل هو “عقدة نقص” متأصلة.

في السبعينيات يا “صناع الغميضة”، كان المدرس المصري هو من فك طلاسم جهلكم، والمستشار المصري هو من صاغ قوانينكم، والطبيب المصري هو من داوى أوجاعكم.

حصر التواجد المصري في “الدونية” هو محاولة بائسة لسرقة “السيادة الثقافية” المصرية، وهو دليل على أنكم لا تملكون تاريخا حقيقيا لتوثيقه، فلجأتم لتشويه تاريخ الآخرين لتشعروا بـ “عظمة وهمية”.

المصري “عملة نادرة” لا تقبل الكسر .. نعم، يعمل الشاب المصري اليوم في كل أصقاع الأرض، يزرع الصحراء ويبني ناطحات السحاب بعرقه، لكنه يظل “الأصل”.

الشاب الذي تسخرون من مهنته في مسلسلاتكم، هو نفسه الذي لو سحب “عقله” من مؤسساتكم لسقطت كأوراق الخريف، نحن أمة “تخدمها الأمم” بجدارة تاريخها، وأنتم أمة “تستأجر” الفن لتغطي عورات حاضرها.

رسالة أخيرة لصناع “الغميضة” ومن سار على دربهم؛ الدراما التي لا تحترم “المعلم” الذي علمها الكلام هي دراما “لقيطة”، التاريخ لا يكتب بـ “باروكة” أو “ديكور” سبعيناتي كاذب، بل يكتب بالبصمات التي تركتها مصر في كل حجر وشجر في بلادكم.

مصر لم تكن يوما “خادمة”، بل كانت وما زالت “السيدة” التي أطعمت من جوع وآمنت من خوف.. فاحذروا غضبة “الحليم” إذا جرح في كرامته، لأن الجنيه قد يمرض، لكن “الهوية المصرية” تمرض الجبابرة ولا تموت.

اعلموا يقينا أن “الأصل” لا يشترى ببريق “النفط”، وأن التاريخ لا يزيف بكاميرا وممثلين “درجة ثانية”، إن محاولاتكم البائسة لتصوير المصري كـ “ظل” في بيوتكم، لن تمحو حقيقة أن عقولنا هي التي أنارت بيوتكم بالعلم، وأن سواعدنا هي التي شيدت مدنكم من العدم.

الجنيه قد ينحني أمام العاصفة، لكن الهامة المصرية لا تنكسر؛ فنحن أمة لا تموت، بل تمرض لتعود أقوى، وتصمت لتنفجر إبداعا، وفروا أموال إنتاجكم لترميم ذاكرتكم المفقودة، فمصر كانت “السيدة” حين لم يكن للعالم عنوان، وستظل “المعلم” مهما اجتهد الصغار في فنون الجحود، رفعت الأقلام، وجفت صحف الحقد، وبقيت مصر.. شامخة، عصية، وفوق الجميع.

يوسف عبداللطيف يكتب: بين “جرسون” روما و”حقد” الدراما.. من يعلم من يا قصار الذاكرة؟

Exit mobile version