أهم الأخبارعمالفنون

الفنان أحمد ماهر: حان الوقت لإحياء المسرح العمالي واكتشاف المواهب الفنية العمالية

غياب الرقابة وراء انتشار فن البلطجة وهناك من يسعى لهدم قلعة الفنون في مصر وعودة ماسبيرو ضرورية

حوار: محمد حربي
قال الفنان أحمد ماهر – فارس المسرح العربي-، إنه حان الوقت لإحياء المسرح العمالي، والبحث عن اكتشاف المواهب الفنية العمالية؛ وتنظيم المسابقات لتشجيع الكتاب على التأليف؛ موضحاً أن الفن رسالة عظيمة، ومرآة عاكسة للمجتمعات؛ مشيراً إلى أن غياب أدوات الرقابة القديمة، جعلت العمل الفني، تختلط به بعض الشوائب، التي تسمم الذوق العام، وتفسد أخلاق الأجيال الجديدة، بصور للبطل البلطجي، وهي نماذج لا تمثل حقيقة المجتمع المصري، صاحب الحضارة، والذي تحكمه قيم وعادات وتقاليد.

وفي حوار خاص لـ ” العمال”، تحدث الفنان أحمد ماهر، عن تجربته الفنية الوحيدة، التي لم تكتمل مع اتحاد عمال مصري؛ على الرغم من استكمال كافة البروفات، والانتهاء من الاستعدادات، والانتظار للحظة البدء؛ التي أوقفها اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، خلال العرض العسكري يوم السادس من أكتوبر عام 1980م.
واستعاد الفنان أحمد ماهر، شريط ذكريات الماضي، وتوقف عند السنة التي استشهد فيها الرئيس السادات؛ حيث كان اتحاد عمال مصر؛ قد استعان به، وأسند له مهمة تنفيذ عمل فني “أوبريت عمالي”، للمشاركة به، ضمن الأعمال الفنية المشاركة بها الهيئات المصرية المختلفة، لعرضها في ساحة مدخل استاد القاهرة بمناسبة احتفالات نصر أكتوبر العظيم.
ويروي الفنان أحمد ماهر، بأن قيادات اتحاد عمال مصر، قدمت له سيناريو للأوبريت، قام بكتابته الشاعر فؤاد حداد؛ إلا أنه تحفظ على النص، وطلب أن تتم بعض التعديلات، من أجل إخراج عمل فني عمالي، متميز وينافس بقوة في مواجهة الجميع؛ وأنه بالفعل تم التعديل المطلوب، وجرت إعادة كتابة النص بالشكل المطلوب.
وكانت وجهة نظر الفنان أحمد ماهر، ضرورة أن يكون الأوبريت العمالي، مستوحى ومعبر عن هوية الحركة النقابية العمالية المصرية، بحيث يتحدث عن الفئات المختلفة، من: البنايين، والحدادين، والنساجين؛ باعتبارهم يمثلون شرائح وأطياف، تنسب إليهم الصناعة في مصر؛ وبعد ذلك تمت الاستعانة بموسيقار، كان يقوم بتدريب الموسيقيين في المؤسسة العمالية بشبرا الخيمة، وتم اختيار الكورال والعازفين، وفنانين استعراضات فنون شعبية، مع مجاميع من داخل مركز شباب الساحل.
وتم شراء 10متر خشب، وبدأت مرحلة تصميم الديكور، بالاستعانة بالمهندس سيد أنور هلال الديكور- مصمم الديكور الأول في بالتليفزيون، وبدأت البروفات مع نحو 90 من العازفين، ومجاميع الفنون الشعبية، بملابس للحدادين، والنساجين، والبنائين؛ حيث كان التصميم عبارة عن ترس الصناعة الكبير، وتخرج منه كل هذه الصناعات؛ وكان أخر حاجة، هم النساجون، وكل راقص أثناء دخوله، يقوم بالإمساك ببداية ثوب؛ وعليه يقوم الترس ببث مجموعة من ألوان الأقمشة.
ويحكي الفنان أحمد ماهر، بأن قيادات اتحاد عمال مصر، لم تبخل على الأوبريت، رغبة في أن يخرج العمل الفني، بصورة تليق بالحركة النقابية العمالية؛ لذا كانت كل المطالب يتم الاستجابة لها، وأنه في كل يوم يذهب صراف من الاتحاد، وهو يحمل معه ” زكيبة فلوس”، لتسليمها إلى العازفين، ومجموعات استعراضات الفن الشعبي، المنشدين؛ واستمر الأمر على هذا الحال؛ حتى اقترب موعد العرض؛ وجرى الاتفاق على أنه لن يتم رفع الستار عن العمل الفني، قبل أن يتم استلام قيمة الشيك الذي تم الاتفاق عليه كأجر للفنانين؛ وبناء على ذلك تم نقل الديكور بسيارات إلى استاد القاهرة في الليلة السابقة لإقامة العرض.
وبدأ الحرفيين في تصميم المسرح، بكافة الديكور المطلوب؛ حيث كانت هناك حالة زهو وفخر من القيادات العمالية بالاتحاد العام لنقابات عمال مصر، على المستوى الرائع للأوبريت، والذي كان يُنظر إليه على أن سيكون حديث مصر كلها؛ إلا أن اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات خلال العرض العسكري، حال دون خروج هذا العمل الفني العمالي إلى النور.
ودعا الفنان أحمد ماهر، القيادات العمالية الحالية، إلى ضرورة احياء الدور التنويري، والتثقيفي للمسرح العمالي، والاهتمام بالمواهب الفنية في الحركة النقابية العمالية، والاتقاء بالأداء، بشكل يسمح للدخول في مسابقات، ومهرجانات لتمثيل العمال، للمنافسة وللفوز بالجوائز المختلفة.
*وحول كيفية قراءته للفرق بين الماضي والحاضر لخريطة الأعمال الفنية للتليفزيون المصري؟
التليفزيون المصري، اختلف اختلافاً جذرياً؛ حيث أنني عِشتُ مساحة زمنية، رأيت فيها وجود رقابة على الأعمال الفنية، بداية من الرقابة العامة، ثم رقابة تليفزيونية ذاتية، ثم رقابة من تم الانتهاء من تصويره، وعرضه، ويطلق عليها رقابة المشاهدة؛ ولذلك كانت الأعمال الفنية تخرج لجمهور المشاهدين، وهي مُصفاة؛ وعليه لم يكن بها أي شوائب خادشة للحياء، أو أي شيء خارج عن قواعد الأعراف، والتقاليد والدين؛ وبالتالي كانت هناك طمأنينة، على الأعمال الفنية، التي كانت تدخل البيوت المصرية، ليشاهدها الجميع على مختلف الأطياف والمراحل العمرية.
أما اليوم، فلا نرى هذا؛ حتى وإن كانت ادعاءات بأن العمل تمت مراقبته، في حين نرى ونسمع ألفاظ خادشة للحياء، وتعبيرات وكلام يندى له الجبين؛ وتتفاجئ بأعمال كلها شبه بعضها، وعنوانها المشترك، هو تقديم أعمال البلطجة، وتمجيد للبلطجية؛ الأمر الذي أصاب الأجيال الجديدة، بسوء الأخلاق.
*هل أفهم من كلامك، أن توجه أصابع الاتهام لبعض الأعمال الفنية، بأنها المسؤول الأول عن تسمم أخلاق الأجيال الجديدة؟
-نعم بكل تأكيد؛ والدليل على ذلك، أنني ذات مرة قمت بتلبية دعوة لأحد الأفراح، في منطقة من المناطق الشعبية، ورأيت بأم عيني، أطفال حديثي السن، عارية صدورهم من الملابس، ويتراقصون بالأسلحة البيضاء السكاكين، وهم في حالة زهو واستعراض فتوات، تقليداً لما يشاهدون في الأعمال الفنية والأفلام.
ومن هنا، ينبغي أن نشير إلى الحالة السحرية للأعمال الفنية على المشاهدين، وأنا شخصيا:” رأيت والدي ” رحمة الله عليه”، كان يقوم بتقليد محمد عبد الوهاب- رحمه الله-، ويضع الوردة في عروة الجاكت، ويعوج الطربوش؛ وكذلك الحال بالنسبة لجيلي أنا شخصياً، كان يقوم بتقليد الفنان عبد الحليم حافظ-رحمه الله-، بالنسبة لملابسه، وقصة شعره؛ وعليه فلابد أن ندرك، مسألة محاكاة الأجيال للفنانين، وأن الفنان لابد أن يكون قدوة طيبة، طالما أنه يتم النظر إليه، باعتباره هو المثل الأعلى؛ وعليه، فإنه من الأهمية مراعاة هذا الإفراز الفني، الذي ينبغي أن يحدث لما يتم تقديمه من أعمال فنية.
*هل تعتقد أن هناك أصابع خفية، تقف وراء الأعمال الفنية المسممة لذوق المشاهدين، وإفساد أخلاق الأجيال الجديدة، وربما تستهدف هدم القيم المجتمعية؟
-لا يمكن لأحد أن يغفل ذلك، أو ينكر هذه الحقيقة، ووجود قوة تسعى إلى هدم قلعة الفنون في مصر؛ وإن كنا نشك في قدرتهم على تنفيذ هذا المخطط، بسبب تجذر الفن في أعماق الشعب، بمختلف تنوع أطيافه؛ وهذا نلاحظه في العمق المصري، من صعيد، لبدوي، لبورسعيدي، وغيرها.
*الأجيال القديمة من الشعوب العربية، تذكر دائماً أنها تربت على الفن المصري، فهل ترى أن مصر؛ قد تراجعت عن دورها كقوة ناعمة في هذا المجال؟
-مطلقاً، فمصر دائماً وأبداً، تظل هي الرائدة، والولادة، بدليل الأجيال التي تترى، جيل بعد جيل؛ ولكن إشكاليتنا الحقيقية، هي في طبيعة بعض الأعمال الفنية التي يتم تقديمها لجمهور المشاهدين؛ حيث حدث اختلاف؛ ولذا فإننا بحاجة إلى العودة لجادة الصواب مرة أخرى؛ ولعل أول البشائر، هو القرار المصري بإعادة إحياء وزارة الإعلام مرة أخرى؛ وهذه الوزارة منوط بها الكثير، بما فيها بث المعلومة والثقافة، ووسائل الترويح والترفيه، وكل ما من شأنه ترسيخ العقيدة الوطنية والدينية بين أبناء الشعب المصري.
*كيف تنظر إلى دور الفنان في القضايا العامة، ومنها السياسية؟
-الفن مرآة عاكسة لمجريات الحياة؛ ولكن من الأهمية عملية الانتقاء للأعمال الفنية التي يتم اختيارها، وتقديمها، بشكل يؤدي للارتقاء بالسلوك، والذوق، والخيال الجمعي؛ ولكن من الذي يمكن أن يسوس هذا، نجده الإعلام والثقافة، وبالتالي فوزارة الثقافة موجود، والفرحة اكتملت بعود وزارة الإعلام من جديد؛ ونامل أن يتم إعادة الحياة إلى مبنى ماسبيرو من جديد، بعدما أصابه ما أصابه، وتوقف عن تقديم من الأعمال الفنية.
*إذا أردنا أن نصف حال المسرح المصري اليوم؛ فماذا نقول؟
– تاهت خطاه؛ لأنني شخصياً عشت فترة زمنية، رأيت فيها تقديم الأعمال الكلاسيك، على خشبة المسرح القومي، والكوميدي يقدم الأعمال الكوميدي، والطليعة يقدم الأعمال الخاصة به، والمسرح الحديث، يقدم أعمال الأقلام المصرية الحديثة، ومسرح العرائس، يقدم أعمال للأطفال، وهذا بجانب دار الأوبرا، والباليه؛ مما يعني وجود تنوع؛ وهذا يؤكد على احتفاظ مصر بقوتها الناعمة.
*وماذا عن غلق أم هدم المسرح الخاص؟
-هذا رأسمال مال خاص، وأصحابه هم من يقرر مصيره، وذلك على عكس مسارح الدولة، عصب الحياة، والوجبة الثقافية التي يتم توفيرها للمواطن، كحال رغيف الخبز. وبالتالي فإنه من الانصاف أن نشهد بالدور الكبير الذي تقوم به الدولة في رعاية الثقافة، من خلال عملية التنوع، في المسرح، والفنون الشعبية، والسرد، والأوبرا، والثقافة الجماهيرية، والسينما، وما تمتلكه مصر، لا يوجد عن أحد.
*بماذا تفسر انخفاض عدد الأعمال الفنية التي يتم عرضها على المسرح اليوم، مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي؟
-هذا يرجع إلى غياب الأقلام، ولم يعد بيننا نعمان عاشور، وميخائيل رومان، عبدالرحمن الشرقاوي، وغيرهم؛ ولذا من الأهمية، تربية كوادر في الكتابة، والإعلان عن مسابقات، وتقديم الجوائز للتشجيع على التأليف.
*هل تربط بين رحيل الأقلام ووفاة المسرح؟
-لا يمكن القول بإن المسرح مات، فهو مازال ينبض بالحياة؛ ولكن الربط يكون في الربط بالنسبة للكيف الذي يتم تقديمه.
*إلى أي مدى أنت قلق من محاولة سحب البساط الفني من تحت أقدام مصر؟
-هذا لن يحدث، لأن مصر تتميز بالثراء والتنوع، وبها ألوان شتى من الفنون، ونمتلك قلعة وتاريخ، موروث فني، والأجيال الحديثة، فإنها تبدأ من حيث انتهى الكبار؛ وأنه بغض النظر عن عنصر الإمكانيات المادية، فهناك مقولة ” الشاطرة تغزل برجل حمار”، ولدينا الغزالين، من شعراء، وأدباء، ونقاد، ومعرض كتاب يمثل حدثاً استثنائيا سنوياً، وصحافة قوية، ولدينا ميراث نفخر به، ولا يمكن أن يدعي أحد بأن قامته مثل قامتنا، ونحن نشاهد مصر مركزاً لوجستياً عالمياً، ونعمة الأمان، في وقت فيه حمامات الدماء بالعديد من الدول بالمنطقة المحيطة بنا.

زر الذهاب إلى الأعلى