ثمة أيام في تاريخ الأمم لا تقاس بمرور الساعات، بل بمقدار ما أحدثته من شروخ في جدار الصمت الإمبراطوري؛ ويوم التاسع من مارس 1919 لم يكن يوما عاديا في رزنامة الزمن المصري، بل كان اللحظة التي قرر فيها “الجماد المصري” أن ينطق، والتراب أن يثور، إنه يوم “انتحار” كبرياء بريطانيا تحت أقدام المصريين.
فيه اللحظة التي اكتشفت فيها بريطانيا – وهي في أوج زهوها بالنصر في الحرب العالمية الأولى – أن إمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس قد تشرق شمس نهايتها من “حارة” مصرية أو “فناء” مدرسة.
إننا لا نتحدث هنا عن احتجاج عابر، بل عن زلزال هوياتي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط بالدم والعرق والذكاء الفطري، معلنا للعالم أن “الفرعون” قد استيقظ من سباته ليمارس حقه الأزلي في السيادة والحرية.
9 مارس 1919؛ الزلزال الذي لم تهدأ توابعه بعد، فثمة أيام لا تقاس بالساعات، بل بمقدار الشروخ التي أحدثتها في جدار الصمت الإمبراطوري، ففيه قرر “الجماد المصري” أن ينطق، والتراب أن يثور، لتكتشف لندن – وهي في أوج زهوها بالنصر العالمي – أن شمس إمبراطوريتها قد تشرق نهايتها من “حارة” مصرية أو “فناء” مدرسة، نحن لا نتحدث عن احتجاج، بل عن زلزال هوياتي أعاد رسم خريطة الشرق بالدم والذكاء الفطري.
يخطئ من يظن أن التاسع من مارس كان مجرد “مظاهرة طلابية” أو رد فعل عاطفي على نفي “سعد ورفاقه”؛ إن من يقرأ التاريخ بعيون “التبعية” لن يرى إلا القشور، أما نحن فنرى في هذا اليوم “الانفجار العظيم” للهوية المصرية التي كبتت خلف قضبان الاحتلال لقرون.
نتحدث عن موقعة الوعي، الحقوق والجيزة وما وراء الأسوار، ففي ذلك الصباح، لم تخرج مدرسة “الحقوق” و”المهندسخانة” لطلب “إفراج” فحسب، بل خرجت لتعيد صياغة “عقد اجتماعي” جديد.
حين تسلق الطلاب الأسوار وضربوا عرض الحائط بأوامر “المستر والتون” الإنجليزي، كانوا يعلنون صراحة سقوط “هيبة المحتل” قبل سقوط مدافعه، لقد كانت شرارة “مشرطية” قطعت حبل الوريد الذي يغذي الوجود البريطاني في قلب القاهرة.
فإننا نتحدث عن عبقرية التخريب الاستراتيجي، الترام والسكة الحديد يتحدثون عن الشغب، ونحن نتحدث عن “الذكاء الشعبي”، قلب عربات الترام في شوارع القاهرة لم يكن فوضى، بل كان “هندسة عسكرية شعبية” لشل حركة المدرعات البريطانية، وعندما قام الفلاح “الأمي” بفك قضبان السكك الحديدية في الأقاليم، لم يكن يعبث، بل كان يطبق استراتيجية “عزل القوات” التي تدرس في أرقى الأكاديميات العسكرية.
بريطانيا، “العظمى” وقتها، اضطرت لاستخدام الطيران لضرب القرى! تخيلوا.. إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ترتعد من فأس فلاح وقبضة طالب، وتلجأ لسلاح الجو ضد صدور عارية. أي خزي هذا؟ وأي فخر لنا؟
ولا ننسي جمهورية زفتى “الدولة التي لم تفهمها لندن”، فما حدث في “زفتى” لم يكن مجرد تمرد، بل كان “بروفة” للدولة القومية. استقلال كامل، سيطرة على التموين، قطع للاتصالات، وحفر للخنادق أمام القوات الأسترالية، “يوسف الجندي” ورفاقه لم يهتفوا فقط، بل أداروا مدينة كاملة بعيدا عن “المركزية” الميتة، لقد كانت صرخة تقول “نحن قادرون على إدارة أنفسنا، والاحتلال هو العبء الوحيد”.
ولم تكن المعركة بالرصاص وحده، بل كانت بـ “الكلمة والنغمة” التي تحولت لطلقة، في مسارح عماد الدين، تحول “سيد درويش” و”نجيب الريحاني” إلى قادة فيلق التعبئة الروحية؛ أغنية “قوم يا مصري” لم تكن طربا، بل كانت “مارشا عسكريا” لإعادة صياغة الهوية المصرية الخالصة، بعيدا عن أوهام التبعية العثمانية، لقد انتصر الفن المصري في 1919 حين جعل من “المسرح” خندقا، ومن “الأغنية” طلقة سيادة أصابت كبرياء المحتل في مقتل.
والأرقام تتحدث بلسان الدم، فدعونا نكف عن تجميل القبح البريطاني، الوثائق الإنجليزية تتحدث عن 800 شهيد، لكن الحقيقة المغموسة في تراب القرى تؤكد سقوط أكثر من 3000 شهيد. هؤلاء لم يكونوا مجرد أرقام، بل كانوا “وقود المحرك” الذي أجبر “اللنبي” على الانحناء.
وعندما نتحدث عن الشهادة، دعونا نكف عن تجميل القبح البريطاني، فلا بد أن ننحني لـ “حميدة خليل”، ابنة الجمالية وأول شهيدة مصرية، التي أثبتت أن رصاص المحتل لا يفرق بين صدر رجل أو امرأة.
إن الفجوة بين الرقم البريطاني الهزيل (800 شهيد) والذي ذكر في الوثائق الإنجليزية، لكن الحقيقة المغموسة في تراب القرى تؤكد سقوط أكثر من 3000 شهيد – الرقم الوطني الحقيقي – ، هي المساحة التي حاول الاحتلال دفنها في مقابر النسيان، لكنها تظل محفورة في ذاكرة القرى التي قصفت بالطائرات لأول مرة في التاريخ كعقاب على “كرامة” أهاليها.
سلاح “الملاية اللف” وذكاء الشارع، ففي كواليس الثورة، كانت هناك “مخابرات شعبية” لا تقهر، ولا يكتمل المشهد دون الكشف عن “العقل المدبر” الذي أدار الدولة من تحت الأرض؛ إنها “اللجنة المركزية للوفد”، بينما كان سعد ورفاقه خلف قضبان النفي، كانت القاهرة تدار بمطابع سرية يوزع منشوراتها “باعة الصحف” و”ماسحو الأحذية”، والنساء تحت “الملاية اللف” في شبكة استخبارات شعبية مذهلة؛ كلهم كانوا شبكة نقل معلومات وتوزيع منشورات فاقت في دقتها “اللاسلكي” البريطاني.
ثورة 19 كانت “ثورة عقل” أدارت المعركة بـ “المقاومة السلبية” والعصيان المدني الذي شل الدواوين والمصالح الحكومية، حتى صار المحتل يمشي في شوارعنا “أعمى” لا يرى، و”أصم” لا يسمع إلا صرخات الحرية.
ما لم يذكره المؤرخون بدقة هو “السكتة الدماغية” التي أصابت الإدارة البريطانية؛ فلقد كان إضراب الموظفين والدواوين بمثابة “سكتة دماغية” للإدارة البريطانية، التي وجدت نفسها تحكم شوارعا صامتة ومكاتب خاوية.
في أعظم تجربة عصيان مدني عرفها الشرق الأوسط، جعلت “اللنبي” يدرك أن السيطرة على الأرض لا تعني السيطرة على البشر، هذا العصيان المدني المنظم جعل المحتل “أعمى” لا يرى، و”أصم” لا يسمع، بعد أن تحول باعة الصحف وماسحو الأحذية إلى شبكة رادار شعبية ترصد أنفاس الجنود الإنجليز وتفشل خططهم قبل تنفيذها.
ثورة 19 هي التي صهرت الهلال مع الصليب في بوتقة “المواطنة” قبل أن يعرف العالم هذا المصطلح بأسابيع. هي التي خلقت “الدولة القومية” وأنهت زمن التبعية للشرق أو الغرب.
رسالتي لكل من يقرأ؛ 9 مارس ليس ذكرى للمواساة، بل هو “كتالوج” للصمود. هي الثورة التي علمتنا أن النخبة (الوفد) حين تتحد مع القاعدة (الشارع)، تضطر الإمبراطوريات أن تعيد حساباتها.
من يظن أن روح 1919 قد ماتت، فهو واهم، إنها كامنة في جينات كل مصري، تنتظر لحظة “التسلق فوق الأسوار” لتعيد صياغة التاريخ من جديد، نحن لم نأخذ استقلالنا “منحة”، بل انتزعناه “محنة” تلو الأخرى، بدم الشهيدة “حميدة خليل” وعرق عمال الترام ودهاء طلاب الحقوق.
إن 9 مارس هو “الشفرة الوراثية” لكل صرخة حرية مصرية.
إن ما حدث في التاسع من مارس لم يكن مجرد “فصل” في كتاب تاريخ قديم، بل هو “الشفرة الوراثية” لكل صرخة حرية أطلقها المصريون من بعده.، لقد ظن المحتل أن نفي الجسد (سعد) سيخمد الروح، فإذ بالروح تتحول إلى مارد يسكن الملايين، مارد لم يكتف بانتزاع اعتراف دولي بمصر، بل انتزع ذاتنا المصرية من براثن التغريب والتبعية.
إن ثورة 1919 ليست فصلا في كتاب، بل هي صرختنا الأبدية التي لم ولن يطويها النسيان؛ هي إثبات للعالم أن هذا الشعب إذا صمت فإنه يخطط، وإذا نطق فإنه يزلزل، وإذا ثار فإنه لا يعود إلى بيوته إلا وقد غير وجه التاريخ.
إن ثورة 1919 هي التي صاغت “الشخصية الدولية لمصر”، وهي التي أخرجت دستور 1923 الأرقى في زمانه، من يظن أن روح هذا اليوم قد انطفأت، فهو لا يعرف معدن هذا الشعب، 9 مارس ليس ذكرى للبكاء، بل هو صفعة لكل من يحاول النيل من سيادة هذا الوطن، نحن لم نأخذ استقلالنا “منحة”، بل انتزعناه بـ “دهاء القانون” و”قوة الفأس”.
سلام على أرواح لم تخش الطائرات، وسلام على عقول هزمت أعتى إمبراطورية بـ “فأس” وقلم و”ملاية لف”.. فالتاريخ لا يصنعه إلا المؤمنون بأن مصر، مهما طال انحناؤها، لا تعرف الانكسار.
عاشت مصر.. حرة.. أبية.. وواعية.. بوعي شبابها، وبطولات فلاحيها، وعظمة تاريخها الذي لا يجرؤ أحد على تزييفه.
يوسف عبداللطيف يكتب: 9 مارس 1919 “المنافيستو” الذي مرغ أنف الإمبراطورية في تراب المحروسة

