أنا لا أحتفل بمرور السنين، بل بمرور المعارك التي لم تكسر لي قلما، والمواقف التي لم تلطخ لي ثوبا، واحد وخمسون عاما من “العناد الشريف” في بلاط صاحبة الجلالة، وستة وثلاثون عاما من المشاكسة داخل جدران “بيت الأمة”، أقولها الآن بملء الفيه؛ لم أنحن لعاصفة، ولم أهادن فاسدا، ولم أقف يوما في طوابير المنافقين بـ “سوق النخاسة” السياسي.
جئت من قلب أسيوط بملامح لا تعرف الالتواء، ودخلت عالم الصحافة وفديا لا يقبل القسمة على اثنين، اليوم، وأنا أطرق أبواب العقد السادس، لا أبحث عن “تورتة” وشموع، بل أشهر قلمي في وجه كل من ظن أن الزمان قد نال من عزيمتنا، أو أن “رؤوس الأفاعي” قد باتت في مأمن من ضربات كلماتي، إنها ببساطة رحلة كاتب قرر واختار أن يعيش حرا، ويكتب بضمير، ويموت صادقا، ويترك خلفه كلمة لا تموت، ويبعث حيا بتلك الكلمة التي لا تموت.
اليوم ليس يوما عاديا في تقويم حياتي، إنه يوم أضيف فيه رقما جديدا إلى عمر لم يعد مجرد سنوات تحسب، بل تجربة تفهم، وذاكرة تراجع، وطريق طويل مشيته بين الحلم والواقع، بين الكلمة وموقفها، وبين الصحافة ومسؤوليتها، أتأمل اليوم قول الله تعالى في سورة مريم «وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا»، آية تختصر رحلة الإنسان كلها؛ بداية لا نختارها، ونهاية لا نملك دفعها، وبينهما حياة قصيرة تقاس بما نتركه من أثر لا بما نملكه من سنوات.
اليوم، وأنا أتوقف لحظة لأراجع الطريق، أدرك أن العمر ليس عددا من الأعوام، بل عددا من المواقف، المواقف التي قلت فيها كلمة حق، والمواقف التي دفعت ثمن تلك الكلمة، والمواقف التي تعلمت فيها أن الكلمة الحرة ليست رفاهية، بل مسؤولية، لقد علمتني الصحافة شيئا واحدا لا يتغير؛ أن القلم إن لم يكن حرا فلا قيمة له، وأن الكاتب إن لم يكن صادقا مع ضميره فلا جدوى من صوته.
في سنوات العمل العام، رأيت وجوه السياسة المختلفة؛ رأيت الصراعات، ورأيت الطموحات، ورأيت كيف يمكن أن تتحول المبادئ أحيانا إلى شعارات فارغة عندما تستبدل المصالح بالقيم، فلم يكن طريقي مفروشا بالورود، بل كان مزروعا بأشواك “طابونة المصالح” التي حاولت مرارا كسر قلمي أو تدجين كلماتي، لقد رأيت من يتلونون كالحرباء، ومن يبيعون “بيت الأمة” وتراثه في سوق النخاسة السياسية من أجل منصب زائل أو حفنة من المكاسب الضيقة.
لكنني اخترت أن أظل “الصداع المزمن” في رؤوس الفاسدين، والوفدي الذي لا يقبل أن يباع أو يشترى، فكرامة الكاتب من كرامة وطنه، ومن هانت عليه مبادئه، هان عليه كل شيء، لكنني في الوقت نفسه رأيت شيئا آخر أكثر أهمية؛ أن مصر — رغم كل شيء — ما زالت قادرة على أن تخرج رجالا يؤمنون بالكلمة، ويؤمنون بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من ضمير الإنسان قبل أي منصة أو منصب.
لهذا لا أكتب اليوم لأحتفل بعام جديد من عمري، بل لأتذكر حقيقة بسيطة تعلمتها بعد نصف قرن من الحياة؛ أن أعمارنا لا تقاس بما مر منها، بل بما بقي فيها من قدرة على الصدق، فالكاتب الحقيقي لا يتقاعد عن الكلمة، ولا يتوقف عن الحلم، ولا يتخلى عن مسؤوليته تجاه الناس والوطن، ربما يتغير الزمن، وتتبدل الوجوه، وتتعاقب الأجيال، لكن الكلمة الصادقة تبقى دائما أطول عمرا من أصحابها.
واليوم، وأنا في الواحد والخمسين، لا أحمل انكسار السنين، بل أحمل عنفوان الصعيد الذي جئت منه، وشموخ “أسيوط” التي علمتني أن الحق لا يحتاج إلى صراخ بل إلى ثبات، لست في مرحلة تقاعد عن الكلمة، بل أنا في قمة “شراستي” المهنية، فالخمسون التي عبرتها ليست نهاية المضمار، بل هي انطلاقة جديدة لقلم يعرف الآن أكثر من أي وقت مضى أين يضع نقاطه، وعلى أي الرؤوس يطرق.
لهذا، وفي يوم ميلادي، لا أطلب من العمر المزيد من السنوات، بل أطلب منه فقط أن يمنحني شجاعة الكلمة حتى آخر الطريق، وأن أظل قادرا على أن أقول ما أراه حقا، لا ما يرضي الناس، ولا ما يرضي السلطة، بل ما يرضي ضميري، فإن بقي من العمر ما بقي، فأمنيتي الوحيدة أن يكون أثري في هذه الحياة كلمة صادقة لا تموت.
أخيرا، أقولها لكل من يترقب، ولكل من يظن أن الواحد والخمسين هي محطة للاستراحة؛ واهمون أنتم! فأنا اليوم لا أعلن نهاية الرحلة، بل أعلن بداية “موسم الهجوم”، سأظل ذلك الصداع المزمن في رؤوس المفسدين، والبوصلة التي لا تخطئ طريق “بيت الأمة” الحقيقي، والقلب الأسيوطي الذي لا يعرف “الخوف” ولا يعترف بالرمادية.
لقد نذرت ما تبقى من عمري لهذا الوطن ولهذا القلم، غير مبال بـ “جعجعة” الأقزام أو مكائد الصغار، فإن كان العمر لحظة، فلتكن لحظة صدق، وإن كان الموت حقا، فليأت ونحن واقفون كالأشجار، لا ننحني إلا لرب العرش، سأمضي وفي يدي قلمي، وفي صدري يقيني، وفي أذني يتردد صدى الوعد الإلهي الذي هو غايتي ومنتهاي؛ «وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا».

