لم يكن الصراع عبر التاريخ بين العلم والدين في جوهرهما بقدر ما كان صراعًا بين العقل الحر والتعصب الأعمى فعندما يتحول الدين من دعوة للتفكر إلى أداة سلطة مغلقة يصبح العلم أول الضحايا وتبقى مأساة العالمة السكندرية هايباتيا واحدة من أوضح الشواهد على ذلك.
في مدينة الإسكندرية التي كانت يومًا من أعظم مراكز العلم في العالم القديم برزت هايباتيا كعقل استثنائي جمع بين الرياضيات والفلك والفلسفة ولم تكن مجرد عالمة بل كانت معلمة تقود مدرسة فكرية مؤثرة تجذب طلاب العلم من مختلف الخلفيات وتمثل امتدادًا حيًا لتراث معرفي عريق
وفي مارس من عام 415م وفي ظل صراع محتدم بين السلطة الرومانية والقيادة الدينية في الإسكندرية وجدت هايباتيا نفسها في قلب توتر متصاعد غذّاه التعصب وسوء الفهم والتحريض فتعرضت لهجوم من جماعة متشددة من المسيحيين في الإسكندرية يُرجح أنهم من البارابالاني المرتبطين بالكنيسة السكندرية المصرية في ذلك الوقت فتم سحلها في الشوارع والاعتداء عليها بوحشية حتى قُتلت في مشهد يعكس كيف يمكن أن يتحول التعصب الديني حين يمتزج بالسلطة إلى قوة مدمرة لا تفرق بين إنسان وفكرة.
لم يكن قتلها مجرد حادثة عابرة بل كان اغتيالًا رمزيًا للعقل ورسالة صادمة لكل من يسعى إلى التفكير الحر ومع ذلك فإن هذه الجريمة تبقى فعل جماعة متشددة في سياق سياسي وديني مضطرب ولا يمكن اختزالها في حكم عام على الدين أو جميع أتباعه لكنها تظل مثالًا واضحًا على خطورة التعصب حين يتغلب على العقل.
وبعد قرون تكرر المشهد في أوروبا مع جاليليو جاليلي حين اصطدم العلم بتفسيرات دينية جامدة فحُوكم وأُجبر على التراجع عن آرائه ووُضع تحت الإقامة الجبرية ليؤكد التاريخ مرة أخرى أن المشكلة لم تكن في الإيمان ذاته بل في احتكار الحقيقة ورفض مراجعة الفهم السائد.
وعلى الجانب الآخر شهدت الحضارة الإسلامية في كثير من مراحلها انفتاحًا على العلم حيث دعت إلى التفكير ورفعت مكانة المعرفة فظهر علماء كبار مثل ابن الهيثم والخوارزمي والرازي وابن سينا وأسهموا في بناء الحضارة الإنسانية وكان العلم مجالًا للإبداع والنقاش رغم وجود اختلافات فكرية لم تتحول في الغالب إلى صراع مع العلم ذاته.
وتكشف هذه النماذج أن العدو الحقيقي للعلم لم يكن يومًا الدين في جوهره بل التعصب حين يتحول إلى أداة قمع وإقصاء فعندما يُغلق باب التفكير يُحاصر العلماء ويُخنق الإبداع أما حين يُفتح المجال للعقل يزدهر العلم وتتقدم المجتمعات.
وفي ذكرى هذه الحادثة تبقى هايباتيا رمزًا خالدًا لعقل قُتل لأنه فكر وتبقى قصتها تذكيرًا دائمًا بأن أخطر ما يواجه العلم ليس الجهل وحده بل التعصب حين يتلبس ثوب الحقيقة ويبقى الدرس الأهم أن العلم لا يُقتل إلا حين يسكت العقل ويعلو صوت التعصب.
م. خالد محمود خالد يكتب: ذكرى اغتيال العقل في الإسكندرية تحت وطأة التعصب

