آراء

د.فتحي حسين يكتب : رسالة خاصة إلى المرحومة أمي 

في يوم 21 مارس من كل عام ..عيدك يا أمي في جنات النعيم.. في مثل هذا اليوم الذي تتزين فيه القلوب قبل البيوت، وتُرفع فيه رايات الحب للأم، نقف جميعًا لنحتفي بأعظم معنى في الحياة… بالأم. لكنني اليوم لا أقف فقط لأحتفل، بل لأتذكر، لأبكي قليلًا، ولأبتسم كثيرًا… لأتحدث عن أمي، التي لم تعد بيننا، لكنها ما زالت تسكن كل تفصيلة في روحي.

أمي المرحومة الغالية السيدة حميدة السيد يوسف ،التي جاءت من مركز طهطا بني حرب بمحافظة سوهاج،من قلب الصعيد ،لتستقر في القاهرة ،وتتزوج وبعد إنجاب ٥ أبناء ،يتوفي زوجها ،وترفض الزواج وتختار البقاء مع الأبناء ورعايتها والعمل من أجل الانفاق عليهم ،حتي كبروا تزوجوا جميعا وانجبوا لها احفاد ،وفرحت بهم ،كما فرحوا هم بها .

فهي أمي انقي سيدة علي وجه الارض عرفتها وتعايشت معها في هدوء وسكينة ،حتي ابتعدنا نسبيا بسبب الزواج ،ولكن لا ابتعاد بالمعني المتعارف ،بل كنت قريبا منها بالتواصل والسؤال عنها يوميا واجلس معها ساعات طويلة واذهب إليها دوما قبل الذهاب لبيتي وكثيرا ما كانت تجلس عندي مع الاحفاد ومع باقي اخواتي أيضا لتسعد بأعز الولد ولد الولد ،كما يقول المثل الشعبي وكنت في نهاية أيامها أقيم بصورة دائما معها ،حتي رحلت في هدوء بعيدا عن ضجيج الناس ،وظلم العباد في المستشفيات والأدوية والعناية المركزة ،والاطباء والممرضات ،لترتاح من كل هذا وذاك وترحل في صمت وحكمة يوم الجمعة ليكون شاهدا علي حسن الختام لأعظم ام في الوجود .

،فهي أمي لم تكن مجرد امرأة عادية مرت في حياتي، بل كانت الحياة نفسها. كانت الدفء حين يشتد البرد، وكانت الطمأنينة حين يضيق القلب، وكانت النور الذي لا ينطفئ مهما أظلمت الأيام. كانت ببساطتها أعظم من كل الكلمات، وبطيبتها أوسع من كل المعاني، وبقلبها الذي لم يعرف يومًا القسوة، كانت وطنًا كاملًا أعيش فيه دون خوف.

في عيد الأم عامة ،والذي تم تحديده من قبل الصحفيان الراحلين، مصطفي وعلي امين مؤسسا اخبار اليوم ، يتسابق الأبناء ليقدموا الهدايا، ليعبروا عن الحب، ليقولوا “شكرًا”… وأنا اليوم أقف عاجزًا عن تقديم أي شيء، إلا الدعاء. لأن أمي رحلت، لكنها لم ترحل من قلبي، ولم تغب عن دعائي، ولم تختفِ من تفاصيل أيامي. رحلت جسدًا، لكنها بقيت روحًا تحرسني، وصوتًا يهمس لي في كل لحظة ضعف: “لا تخف… أنا هنا”.

أمي… يا أعظم نساء الكون، يا أطيب قلب عرفته الدنيا، يا من علمتني معنى الرحمة قبل أن أعرف قسوة الحياة، أقول لك اليوم: ما زلت أتعلم منك، رغم غيابك. ما زلت أستند إلى دعواتك التي كنتِ ترددينها في صمت، وما زلت أعيش على أثر حبك الذي لا ينتهي.

لم تكوني يا أمي الغالية الحاجة حميدة مجرد أمًا فقط بل كانت مدرسة في الأخلاق،، وكانت درسًا في الصبر، وكانت قصة من العطاء لا تُكتب نهايتها. كانت تعطي دون أن تنتظر، وتحب دون أن تشترط، وتسامح دون أن تذكر. وهكذا هي الأمهات العظيمات… يرحلن، لكنهن يتركن خلفهن نورًا لا ينطفئ.

وفي هذا اليوم، وبين كل الاحتفالات، أرفع يدي إلى السماء، وأقول:

اللهم إن أمي كانت من أحنّ خلقك، فاجعلها من أسعد عبادك. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجعلها من أهل الجنة بلا حساب ولا عذاب. اللهم ارفع درجتها في الفردوس الأعلى، واجمعني بها هناك، حيث لا فراق ولا ألم، حيث اللقاء الأبدي الذي لا يعقبه وداع.

أمي… إن كان الفقد موجعًا، فإن ذكراك عزاء. وإن كان الغياب قاسيًا، فإن حبك باقٍ لا يزول. سلام عليكِ في الغياب، كما كنتِ سلامًا في الحضور. وكل عام، وأنتِ في قلبي… أعظم أم، وأجمل حكاية، وأصدق حب عرفته في هذه الدنيا

في هذا اليوم الذي يفيض رحمة وحنينًا، يوم عيد الأم، نقف جميعًا لنقول كلمة حب، ولنقدم لمسة وفاء… لكنني اليوم لا أملك إلا الدعاء، ولا أجد في قلبي إلا شوقًا يتجدد كلما ذُكرت الأم.

أمي… يا رحمة الله التي كانت تمشي على الأرض، يا قلبًا ما عرف إلا الحب، ولا نطق إلا بالخير، ولا عاش إلا ليعطي. أمي لم تكن فقط من أنجبتني، بل كانت من صنعت روحي، وربّت قلبي، وغرست فيَّ الإيمان قبل أي شيء. كانت إذا رفعت يديها بالدعاء، شعرت أن السماء تُفتح، وأن الرحمة تنزل، وأن الله يستجيب.

رحلت أمي… نعم، رحلت عن عيني، لكنها لم ترحل عن قلبي، ولم تغب عن دعائي، ولم تختفِ من حياتي. لأن الأم الصالحة لا تموت، بل تنتقل من دار إلى دار، من الدنيا إلى رحاب رحمة الله، حيث الكرم الإلهي الذي لا ينقطع.

أمي… يا من كنتِ تذكرين الله في كل وقت، وتُعلمينني أن الصبر مفتاح الفرج، وأن الرضا سر السعادة… أسأل الله أن يجزيكِ عني خير الجزاء، وأن يجعل كل لحظة تعب، وكل دمعة خوف عليّ، وكل دعوة خرجت من قلبك… نورًا لكِ في قبرك، ورفعة في درجاتك.

اللهم يا أرحم الراحمين، يا من وسعت رحمتك كل شيء، ارحم أمي رحمةً واسعة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجعلها في صحبة الصالحين والنبيين. اللهم اجعلها من أهل الجنة بغير حساب، وارفع مقامها في الفردوس الأعلى.

اللهم كما جمعتني بها في الدنيا على حبك وطاعتك، فاجمعني بها في الآخرة في جناتك، حيث لا فراق ولا ألم، حيث النعيم المقيم والرضوان

أمي… إن كنتِ غبتِ عن عيني، فأنتِ في قلبي دعاء لا ينقطع، وذكرى طيبة لا تزول، وأمل بلقاء قريب بإذن الله… في جنة عرضها السماوات والأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى