في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، ومع اقتراب العمليات العسكرية أحيانًا من منشآت نووية حساسة، يطفو على السطح سيناريو بالغ الخطورة: ماذا لو تعرض مفاعل نووي للاستهداف المباشر؟ هذا السؤال لم يعد افتراضيًا بالكامل، بل أصبح جزءًا من نقاشات واقعية تفرض نفسها مع كل تصعيد عسكري في مناطق تحتوي على بنية تحتية نووية.
المفاعل النووي… بين الاستخدام السلمي والهشاشة في زمن الحرب
المفاعل النووي في جوهره ليس سلاحًا، بل منظومة مصممة لإنتاج الطاقة من خلال تفاعل نووي متحكم فيه بدقة شديدة. هذه السيطرة تعتمد على توازن حساس بين الوقود النووي وأنظمة التبريد والحواجز الهندسية التي تمنع تسرب الإشعاع. لكن هذه المنظومة، رغم تعقيدها، تصبح شديدة الهشاشة إذا تعرضت لضربة عسكرية، لأن أي خلل في التبريد أو الاحتواء قد يحولها من مصدر طاقة إلى مصدر كارثة.
حين يختل التوازن… كيف تبدأ الكارثة؟
عند استهداف مفاعل نووي، لا يحدث انفجار نووي كالذي نراه في القنابل، بل يبدأ سيناريو مختلف وأكثر تعقيدًا. إذا تعطلت أنظمة التبريد، ترتفع حرارة الوقود النووي تدريجيًا حتى يصل إلى مرحلة الانصهار، وهي اللحظة التي يفقد فيها التحكم بالكامل.
في هذه الحالة، تنطلق مواد مشعة شديدة الخطورة إلى البيئة المحيطة، مثل اليود والسيزيوم، وهي عناصر قادرة على الانتشار لمسافات بعيدة عبر الهواء والمياه.
وقد لا يكون من الضروري إصابة قلب المفاعل مباشرة لحدوث هذه الكارثة، إذ يكفي تدمير أنظمة الدعم أو الطاقة التي تحافظ على التبريد.
كما أن استهداف مخازن الوقود المستهلك، وهي مواد أكثر إشعاعًا من الوقود الجديد، يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة إذا فقدت التبريد وبدأت في إطلاق الإشعاع.
كارثة بلا انفجار… لكن بآثار ممتدة
الفرق الجوهري بين القنبلة النووية وحادث المفاعل يكمن في طبيعة التأثير.
فالقنبلة تُحدث دمارًا فوريًا وعنيفًا، بينما يتسبب حادث المفاعل في كارثة بطيئة نسبيًا، لكنها أكثر امتدادًا وتعقيدًا. الإشعاع الناتج لا يختفي سريعًا، بل يظل في البيئة، يتسلل إلى التربة والمياه، ويستمر تأثيره لسنوات طويلة، بل لعقود وربما قرون.
هذا النوع من الكوارث لا يُقاس بعدد الضحايا الفوريين فقط، بل بمدى استدامة الضرر، إذ يمكن أن تتحول مناطق كاملة إلى أراضٍ غير صالحة للحياة أو الزراعة، كما حدث في تشيرنوبيل، حيث لا تزال بعض المناطق مهجورة حتى اليوم.
البيئة أول الضحايا… والإنسان يتبعها
عندما تتسرب المواد المشعة، فإنها لا تبقى في مكانها، بل تنتقل عبر الرياح والمياه، ما يجعل التأثير عابرًا للحدود. قد تنتقل الجزيئات المشعة مئات الكيلومترات، لتلوث محاصيل زراعية ومصادر مياه في دول أخرى لم تكن طرفًا في الصراع.
ومع دخول هذه المواد إلى السلسلة الغذائية، يصبح الإنسان معرضًا للخطر حتى دون التعرض المباشر للإشعاع. الحليب، اللحوم، والخضروات قد تصبح ناقلًا صامتًا للتلوث، ما يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض خطيرة، أبرزها السرطان، خاصة لدى الأطفال والحوامل الذين يُعدون الأكثر حساسية للإشعاع.
دروس التاريخ… حين تحولت الأخطاء إلى كوارث
التجارب السابقة تقدم صورة واضحة عن حجم الخطر. في تشيرنوبيل عام 1986، أدى خلل تقني إلى أسوأ كارثة نووية في التاريخ، وأسفر عن تلوث واسع النطاق أجبر مئات الآلاف على مغادرة منازلهم. وفي فوكوشيما عام 2011، كان السبب كارثة طبيعية أدت إلى فقدان التبريد، ما تسبب في تسرب إشعاعي كبير رغم التقدم التكنولوجي.
إذا كانت هذه الكوارث قد حدثت دون نية عدائية، فإن احتمال حدوثها نتيجة استهداف عسكري متعمد يضاعف من حجم القلق، خاصة في مناطق مزدحمة بالسكان.
لماذا يُعد استهداف المفاعلات تهديدًا عالميًا؟
الخطورة في استهداف المفاعلات النووية لا تقتصر على الدولة التي يقع فيها المفاعل، بل تمتد إلى دول مجاورة وربما قارات بأكملها.
الإشعاع لا يعترف بالحدود السياسية، ولا يمكن احتواؤه بسهولة بمجرد انتشاره. لهذا السبب، يُنظر إلى المنشآت النووية على أنها خطوط حمراء في النزاعات، لأن المساس بها قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية وبيئية لا يمكن السيطرة عليها.
مقارنة ضرورية… المفاعل ليس منشأة تخصيب
رغم أن منشآت تخصيب اليورانيوم قد تحتوي على مواد خطرة، فإن استهدافها لا يؤدي إلى نفس مستوى الكارثة المرتبط بالمفاعلات.
الخطر في هذه الحالة يكون غالبًا محليًا ومحدودًا نسبيًا، ويقتصر على تسرب مواد كيميائية أو إشعاعية في نطاق ضيق. أما المفاعل، خاصة أثناء التشغيل أو في وجود وقود مستهلك، فيمثل مصدر خطر أكبر بكثير بسبب حجم المواد المشعة وتعقيد التعامل معها.
ختامًا… خطر لا يُرى لكنه يبقى
في النهاية، تكمن خطورة الإشعاع في كونه غير مرئي، لا لون له ولا رائحة، لكنه قادر على إحداث دمار طويل الأمد. استهداف المفاعلات النووية لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل هو تهديد مباشر للبيئة والإنسان والحياة نفسها. وفي عالم مترابط، قد لا تكون الكارثة محلية، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الصراع، لتصبح أزمة إنسانية عالمية تدفع ثمنها أجيال لم تكن طرفًا في الحرب.
مهندس خالد محمود خالد يكتب:حين تصبح المفاعلات النووية أهدافًا للحرب… خطر يتجاوز الجغرافيا والزمن

