Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: لماذا صرنا “ظاهرة صوتية” وغيرنا قوة نووية وعسكرية ضاربة؟

من يمتلك الجغرافيا ولا يملك “المخلب النووي” والقرار العسكري الموحد، فهو لا يملك إلا حق الانتظار في طابور التبعية، نحن أمة صممت هندسة النظام العالمي قبل أن يولد، ورسمت ملامح التكتلات الدولية حين كانت عواصم الكبار مجرد أطلال تحت القصف، ليس ذنبنا أننا سبقنا العالم بـ “جامعة الدول العربية”، ولكن الجريمة هي أننا سمحنا لهذا السبق أن يتحول إلى متحف للذكريات بينما تحول غيرنا إلى قلاع نووية.

هل تدركون عبثية المشهد، حين كانت أوروبا تلملم أشلاءها من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية، وقبل أن تعرف الأمم المتحدة طريقا للنور بأشهر، كانت القاهرة “الوفدية” تضع حجر الأساس لبيت العرب جامعة الدول العربية في مارس 1945، نعم نحن الذين علمنا العالم كيف تبنى التكتلات قبل أن يحلم “شومان” بالاتحاد الأوروبي، وقبل أن يخط “روزفلت” مسودة النظام العالمي الجديد، ولكن يبقى السؤال الذي يحرق الحناجر لماذا صرنا “ظاهرة صوتية” بينما صار غيرنا “قوة نووية وعسكرية” ضاربة.

لنعترف بالحقيقة المرة التي يجهلها الكثيرون، نحن لم نتأخر عن ركب الحضارة بل تأخرنا عن ركب أنفسنا، كيف نبرر أن جامعة الدول العربية التي ولدت من رحم بروتوكول الإسكندرية بمبادرة الوفد وقائده النحاس باشا في مارس 1945، كانت أسبق من الأمم المتحدة ومن نواة الاتحاد الأوروبي بسنوات، العرب وضعوا خريطة التكتل قبل أن يستيقظ العالم من ركام الحرب العالمية الثانية، لكن “انقلاب المسار” حول الأسبقية المؤسسية إلى تبعية استراتيجية، واليوم يعيد الوفد بقيادة الدكتور السيد البدوي طرح المعادلة في 2026، العروبة أولا أو الفناء.

الوفد عبقرية التأسيس وأمانة الاستمرار، فلا يمكن قراءة المستقبل بنظارات معتمة تجاه التاريخ، فالفكرة لم تكن وليدة صدفة بل كانت عقيدة راسخة لدى حزب الوفد قبل عام 1952، حيث رأى الوفد في العروبة “درعا” لا “شعارا”، واليوم في 2026 يعيد التاريخ إنتاج نفسه بذكاء يحسب لبيت الأمة، حيث تتجدد الرؤية في لحظة فارقة تتطلب إعادة تعريف القوة العربية، واستعادة الدور الذي تآكل عبر عقود من التراجع والانقسام.

وهنا تبرز رؤية الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد، الذي لم يكتف باستعادة أمجاد الماضي بل طرح مبادرته ببراعة الجراح السياسي الذي يدرك أن “الأمن القومي العربي” ليس رفاهية بل هو صراع وجود، إن مطالبة البدوي اليوم بإحياء الجيش العربي الموحد ليست مجرد استهلاك سياسي، بل هي استحضار لروح “النحاس باشا” ممزوجة بضرورات القرن الحادي والعشرين، إنها دعوة تعيد الاعتبار للمدرسة الوفدية التي تؤمن بأن مصر هي قلب العروبة النابض وأن كرامة هذا القلب من كرامة أطرافه.

عسكريا لم نعد في زمن “حشد الدبابات” فحسب، بل نحن في 2026 حيث الحرب هي صراع C^4ISR أي القيادة والسيطرة والاتصالات والكمبيوتر، إن الجيش الموحد الذي ينادي به البدوي ويدعمه السيسي هو الضمانة الوحيدة لكسر “فوضى المدارس التسليحية” العربية وتوحيد العقيدة القتالية، لنصبح القوة الوحيدة التي تمتلك مفاتيح المضائق الكبرى من قناة السويس إلى باب المندب، محولين جغرافيتنا إلى سلاح ردع عابر للقارات يعيد التوازن إلى المنطقة.

السيسي وحتمية “القوة المشتركة” في زمن الجنون، وعلى الجانب الآخر من معادلة القوة نجد أن الرئيس عبدالفتاح السيسي قد وضع النقاط فوق الحروف في أكثر من محفل دولي وإقليمي، مطالبا بضرورة تشكيل قوة عربية مشتركة، إن رؤية الرئيس السيسي تنطلق من واقع عسكري مرير يحيط بالمنطقة، فهو يدرك بفطنة القائد العسكري أن “الأمن الفردي” للدول قد ولى زمنه، وأن المواجهة القادمة لا ترحم المترددين، إن تلاقي “المبادرة الوفدية المدنية” مع “الإرادة السياسية العسكرية” للدولة المصرية يمثل حالة فريدة من التناغم الوطني.

التحليل النووي والاستراتيجي لماذا الآن، عسكريا ونوويا نحن نعيش في عالم لا يعترف إلا بموازين القوى، إن تأخر تأسيس الجيش العربي الموحد يعني بقاءنا خارج “المظلة النووية” الإقليمية، الردع اليوم ليس مجرد طائرات ودبابات بل هو Nuclear Deterrence ردع نووي وتكامل في منظومات الصواريخ الباليستية العابرة للحدود، إذا لم يتوحد العرب تحت قيادة واحدة ستظل ثرواتنا نهبا وقرارنا رهينة في يد القوى العظمى التي تتحكم في مصائر الشعوب.

وفي ذروة الاشتباك الإقليمي لا يمكن لجيش عربي أن يتنفس دون “رئة نووية”، الردع اليوم ليس قنبلة فقط بل هو تكنولوجيا المفاعلات النمطية الصغيرة SMRs التي توفر الطاقة والسيادة، إن المبادرة الوفدية في 2026 تدرك أن القوة العسكرية العربية دون “ظهير تقني نووي” هي قوة منقوصة في مواجهة قوى إقليمية تتسلح بالذرة، فالأمن القومي لا يحميه إلا توازن الرعب الذي يفرض الاحترام ويمنع الانزلاق إلى الفوضى.

إن الفرق بيننا وبين الاتحاد الأوروبي ليس في “العقل” بل في “الإرادة”، هم توحدوا رغم اختلاف اللغات ونحن تفرقنا رغم وحدة اللسان، حان الوقت لتتحول مبادرة الوفد ورؤية القيادة المصرية إلى واقع يرتجف له الطغاة، إن التاريخ لا يمنح “كارت بلانش” للأمم المترددة، والفرص الكبرى لا تأتي مرتين، فإما أن نحمل سيوفنا في “جيش عربي موحد” يرتعد له العدو قبل الصديق، وإما أن نتحول إلى مجرد جغرافيا صامتة في خرائط الآخرين.

إن مطالبة حزب الوفد في 2026 ليست ترفا سياسيا بل هي “صفارة إنذار” أخيرة قبل فوات الأوان، فمن يرفض اليوم أن يكون جنديا في هذا الجيش سيجد نفسه غدا مضطرا للوقوف في طابور التوسل لحماية لا تأتي، الوقت يمر والمحرك النووي الإقليمي لا يهدأ، فهل نمتلك الشجاعة لنكون “الكتلة الحرجة” التي تغير وجه التاريخ، أم سنكتفي بمشاهدة القطار وهو يدهس أحلامنا، القرار لم يعد في أيدينا وحدنا بل في إرادة التحول من “دولة المؤسسات” إلى “أمة القوة”.

الجيش العربي الموحد ليس خيارا، إنه القدر الذي تأخرنا عن موعده كثيرا.

يوسف عبداللطيف يكتب: لماذا صرنا “ظاهرة صوتية” وغيرنا قوة نووية وعسكرية ضاربة؟

Exit mobile version