Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: “مقصلة المارش الكبير”.. هل ابتلعت “أروقة الجامعة الأمريكية” هتاف وبريق “قهاوي وسط البلد”؟

لا تسألوا عن “الدستور” في مكاتب النخبة، بل ابحثوا عنه في صرخة جميلة وصمت وفاء، في زلزال هز أركان الليبرالية المصرية تحت شمس مارس الحارقة، حينما تخلع “الثورة” ثوبها الميداني لترتدي بذلة “الإدارة الاستراتيجية”، نعلم أننا أمام لحظة ولادة قيصرية لسياسة جديدة، أنا هنا لا أكتب كعضو في حزب، بل كوفدي عتيق، تربى في مدرسة “الحق فوق القوة”، أرقب من شرفة بيت الأمة – رؤية وفدية من خارج الصندوق – كيف تتبادل الأجيال الراية في مشهد سياسي “نادر” خلع فيه الجمال عباءته ليمنح الوفاء فرصة القيادة.

ففي يوم السبت، الثامن والعشرين من مارس 2026، لم تكن صناديق الاقتراع في “حزب الدستور” مجرد أوعية لجمع الأصوات، بل كانت “مقصلة” سياسية ناعمة، وفصلا جديدا من فصول التغريبة الليبرالية المصرية، وبصفتي “وفدي الهوى والهوية”، أقف اليوم مراقبا من شرفة بيت الأمة، لأحلل مشهدا لا يخص الدستوريين وحدهم، بل يخص مستقبل السياسة في مصر، مشهدا تتداخل فيه الحسابات التنظيمية مع التحولات الفكرية، وتتصارع فيه رؤى الأجيال حول معنى الفعل السياسي وجدواه.

وداعا “كاريزما المواجهة”، شكرا جميلة إسماعيل، فقد رحلت جميلة إسماعيل عن مقعد رئاسة حزب الدستور، لكنها لم ترحل عن الوجدان السياسي، فهي تمثل حالة فريدة في المشهد السياسي المصري، حيث تتقاطع فيها الشاشة الفضية بالسياسة، والنشاط النسوي بالعمل الحزبي المؤسسي، جميلة لم تكن مجرد رئيسة حزب، كانت “أيقونة” لزمن كان فيه الصوت العالي في الحق هو العملة الوحيدة المقبولة، خاضت معاركها “على المحارة” كما قالت، وحملت إرثا ثقيلا من النضال الميداني الذي لا يعرف المواءمات.

الحقيقة المرة، أن جميلة إسماعيل قدمت “درسا وفديا” بامتياز في تداول السلطة، وهي لحظة نادرة في صحراء الأحزاب المصرية، خرجت وهي تبتسم، لتثبت أن “الزعيم” الحقيقي هو من يصنع المؤسسة، لا من يسكنها للأبد، وقدمت نموذجا مختلفا في كيفية مغادرة المواقع القيادية دون صخب أو صراع، مؤكدة أن الفكرة أبقى من الأشخاص، وأن التنظيم القوي هو الذي ينجو من تبدل الوجوه وتغير الأزمنة.

إن ما يميز جميلة إسماعيل ليس فقط نضالها في “كفاية” أو معاركها الشرسة في “قصر النيل”، بل هي تلك “الخلطة السرية” التي زاوجت فيها بين بريق الشاشة وجسارة الميدان إلى سدة الحزب، جميلة لم تكن يوما سياسية مكاتب، بل هي “Brand” سياسي نحتت ملامحه في قهاوي وسط البلد وبين أوجاع الناس، لقد نجحت عبر مرونتها السياسية أن تكون “الجسر” الذي عبر عليه جيل المعارضة التقليدية ليلتقي بالشباب الثوري، محولة الحزب من مجرد أفكار نخبوية إلى كيان تنظيمي حي.

لتخرج اليوم وهي تضع لبنة “الليبرالية الاجتماعية” في جدار الوطن، تاركة إرثا من “السهل الممتنع” الذي يصعب تكراره، إرثا يجمع بين الجرأة والبساطة، وبين الحضور الإعلامي والالتحام الشعبي، نموذجا يطرح سؤالا حول إمكانية استنساخه في بيئة سياسية معقدة، ويضع الأجيال الجديدة أمام تحدي الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الحلم والواقع، وبين الخطاب والممارسة، دون السقوط في فخ النخبوية أو الشعبوية.

وفاء صبري، هل تدار الأحزاب بمناهج “الجامعة الأمريكية”، فوز الدكتورة وفاء صبري بنسبة 54% هو “انتصار للتكنوقراط” على حساب “الهتاف”، نحن أمام سيدة قادمة من أروقة الإدارة الاستراتيجية، تملك لغة الأرقام والخطط، بينما يغرق الشارع في لغة الأوجاع، التساؤل المشروع، هل ينجح “التواصل الاستراتيجي” الذي تدرسه الدكتورة وفاء في الجامعة الأمريكية، في فك شفرة المواطن المصري الذي يبحث عن “رغيف الخبز” قبل “التحول الرقمي”.

إن قائمة “بداية جديدة” أمام اختبار حقيقي، إما أن تحول حزب الدستور إلى “شركة سياسية ناجحة” عابرة للمحافظات، أو أن تظل حبيسة “الجاكيتات الأنيقة” والمصطلحات الأكاديمية المعقدة، فالتحدي ليس في صياغة الخطط، بل في ترجمتها إلى واقع ملموس يشعر به المواطن، ويؤمن من خلاله أن السياسة يمكن أن تكون أداة لتحسين حياته اليومية، لا مجرد نقاشات نظرية تدور في قاعات مغلقة.

لكن دعونا لا نخطئ التقدير، فالدكتورة وفاء صبري ليست مجرد “أكاديمية” خلف أسوار الجامعة الأمريكية، بل هي محاربة قديمة من الرعيل المؤسس للحزب، تحمل في جعبتها ثلاثين عاما من الخبرة في “الإدارة والتواصل الاستراتيجي”، قوة وفاء تكمن في أنها صوت “الخبرة الهادئة” التي تؤمن بأن التغيير يبدأ من الناس ولأجلهم، وتسعى إلى بناء نموذج مختلف للعمل الحزبي يقوم على التخطيط طويل المدى والانضباط المؤسسي.

هي تراهن اليوم على “الاقتصاد المنتج” وتمكين المهمشين، محاولة نقل الحزب من مرحلة “رد الفعل السياسي” إلى مرحلة “التطوير المؤسسي الشامل”، فهل تستطيع قائمة “بداية جديدة” بقيادة “المايسترو” وفاء وعاونيها أسامة المناخلي ومحمود أحمد، أن تخلق التوازن المطلوب بين “الرؤية العالمية” و”الاحتياج المحلي”، أم أن الفجوة بين التنظير والتطبيق ستظل العائق الأكبر أمام تحقيق هذا التحول الطموح.

رسالة من “بيت الأمة” إلى “ميدان التحرير”، نحن الوفديين، الذين عشنا قرنا من الزمان في صراع المؤسسة والشارع، نقول لرفاقنا في “الدستور”، إن نسبة ال 46% التي حصلت عليها قائمة “الطريق للناس” هي “إنذار” لا يجب تجاهله، هناك نصف الحزب تقريبا لا يزال يحن إلى “الاشتباك” ويرفض “الهدوء المؤسسي”، وهو ما يعكس انقساما حقيقيا حول طبيعة الدور الذي يجب أن يلعبه الحزب في المرحلة المقبلة.

كلمة أخيرة شديدة اللهجة، السياسة في مصر 2026 ليست “ندوة” في فندق خمس نجوم، وليست “بوست” على منصات التواصل، السياسة هي “النفس الطويل” في القرى والنجوع، فهل تمتلك الدكتورة وفاء صبري “نفس” جميلة إسماعيل في الصمود، وهل تستطيع “بداية جديدة” أن تكون “طريقا للناس” فعلا لا قولا، أم أن الواقع سيفرض إيقاعه ويختبر صدقية الشعارات المطروحة.

في الختام، ومن شرفة “بيت الأمة” التي لا تغيب عنها الشمس، أقول لرفاق الدستور، لقد انتهت ضوضاء الصناديق وحان وقت ضجيج الإنجاز، إن رهاني اليوم ليس على فوز قائمة “بداية جديدة” أو خسارة “الطريق للناس”، بل رهاني على أن تظل الليبرالية المصرية “حية” في قلوب من يعيشون “على المحارة”، إن مصر 2026 لا تحتاج لسياسيين يتقنون فن “البرستيج”، بل لمقاتلين يتقنون فن “الاحتواء”.

فهل ستكون وفاء صبري هي “المهندس” الذي يعيد بناء الجسور، أم ستظل أسيرة “برجها العاجي”، وهل ستظل جميلة إسماعيل هي “البوصلة” التي ترفض الانكسار، الأيام وحدها هي من ستجيب، أما نحن الوفديون، فسنظل حراسا لهذا التاريخ، نرقب المشهد بعين محبة وقلب جسور، فمصر أكبر من الأحزاب، والحرية لا تمنح إلا لمن يستحقها، وعاشت مصر فوق الجميع وقبل الجميع.

إننا نراقب، من باب “وحدة المصير الليبرالي”، فإذا سقط الدستور في فخ “النخبوية”، ضاع ما تبقى من أمل في التعددية، وتراجعت فرص بناء حياة سياسية حقيقية تقوم على التنوع والتنافس، وهو ما يفرض على الجميع مسؤولية تاريخية في الحفاظ على ما تبقى من مساحات العمل العام.

عاشت مصر، وعاش التداول السلمي للسلطة، ولو كره “الجامدون”.

يوسف عبداللطيف يكتب: “مقصلة المارش الكبير”.. هل ابتلعت “أروقة الجامعة الأمريكية” هتاف وبريق “قهاوي وسط البلد”؟

Exit mobile version