اخلعوا نعالكم، فأنتم في جنازة “المدينة التي كانت”، اليوم لا تشيع الإسكندرية قضبان “ترام الرمل” إلى مثواه الأخير، بل تشيع ما تبقى من كبريائها على أرصفة العجز، اليوم سقطت آخر قلاع “الأدمية” تحت أقدام “غابة الميكروباصات”، وأعلنت “العروس” مدينة معزولة، لا يربطها بالعالم سوى صرخات المقهورين في طوابير الذل، في مشهد يختصر وجع مدينة كاملة.
لم يسقط الترام وحده، بل سقطت معه هيبة الرقابة، وانتحرت تحت عجلاته وعود المسؤولين، ليترك ملايين السكندريين فريسة لـ “قراصنة الأسفلت”، في واقع عبثي لا يحدث إلا في المدن التي شطبت من دفاتر الاهتمام، حيث يتحول المواطن إلى ضحية يومية، ويصبح الوصول إلى العمل معركة بقاء، وسط فوضى لا تعرف قانونا ولا إنصافا.
هل سقطت الإسكندرية من الخارطة، أم أننا بصدد عملية “نفي جماعي” لسكان مدينة كانت يوما منارة للعالم، لتصبح اليوم سجنا كبيرا يحده البحر شمالا والعجز الحكومي من كل اتجاه، اليوم ونحن نودع “ترام الرمل” بعد أن وارينا “قطار أبي قير” الثرى، لا نعلن فقط عن توقف حديد ونحاس، بل نعلن عن توقف نبض مدينة كاملة.
ألقيت الإسكندرية في غياهب “الارتجال” المروري، حيث لا تخطيط ولا بدائل حقيقية، وكأن مصير ملايين البشر لا يعني أحدا، في لحظة فارقة تختبر فيها قدرة الدولة على إدارة الأزمات، لكنها تكشف عكس ذلك تماما، إذ تتحول القرارات إلى عبء جديد، وتترك المدينة تواجه مصيرها بلا سند أو رؤية واضحة.
عصر “البلطجة” المقننة بدأ بكل بساطة، وبقرار “مكتبي” بارد، تم تجريد الإسكندرية من عمودها الفقري، فجأة وجد السكندريون أنفسهم وجها لوجه مع “وحوش الميكروباص” أو ما يعرف ب “المشاريع”، هؤلاء الذين لا يحكمهم قانون ولا يردعهم ضمير، صاروا هم السادة والولاة في شوارع مزدحمة لا تعرف الرحمة.
“تقطيع المسافات” لم يعد مجرد مخالفة، بل صار “دستورا” يفرض على المواطن المطحون، تحت سمع وبصر إدارة مرور يبدو أنها اختارت “البيات الشتوي” في عز الصيف والزحام، حيث يغيب الدور الرقابي تماما، ويترك المواطن لمصيره، في ظل منظومة نقل فقدت السيطرة وتحولت إلى ساحة مفتوحة للفوضى والاستغلال.
المأساة في أرقام الواقع تتجلى بوضوح، لا نقل، لا رقابة، لا رحمة، كيف لمدينة بحجم الإسكندرية، بكتلتها البشرية الهائلة، أن تترك بلا “نقل عام” حقيقي، أين ذهبت أساطيل النقل العام، هل تبخرت أم تعطلت بانتظار “معجزة”، أسئلة مشروعة لا تجد إجابة في ظل هذا الغياب الكامل للتخطيط.
شوارع مكدسة، صرخات تتعالى في “محطة الرمل” و”سيدي جابر” و”العوايد”، ورجال المرور خارج نطاق الخدمة، وكأن الزحام “قدر” لا حل له، وكأن “الفوضى” أصبحت هي النظام المعمول به، المواطن السكندري “الرهينة” اليوم لا يدفع ثمن تذكرة، بل يدفع ثمن “إذلاله” اليومي للوصول إلى لقمة عيشه.
تحليل سياسي واجتماعي يكشف أن ما يحدث في الإسكندرية ليس مجرد “أزمة مواصلات”، بل هو تجسيد واضح لغياب الرؤية الاستراتيجية، كيف يتم إيقاف الشرايين الرئيسية للمدينة، القطار والترام، قبل توفير البديل “الآمن والآدمي”، سؤال يكشف خللا عميقا في إدارة ملف حيوي يمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
إن ما يحدث هو تسليم رقاب المواطنين لـ “اقتصاد العشوائية”، حيث يتحكم “سائق المشروع” في مصير آلاف الموظفين والطلاب، في ظل غياب الرقيب الذي يفترض أن يحمي “هيبة الدولة” في الشارع، لتتحول السلطة الفعلية إلى يد غير منظمة، تفرض شروطها على الجميع دون حسيب أو رقيب.
رسالة إلى المسؤولين، الإسكندرية لا تحتضر بل تنحر، يا سادة إن الصمت على ما يحدث في شوارع الإسكندرية هو “جريمة إدارية” مكتملة الأركان، إن “سابع نومة” لمرور الإسكندرية يجب أن تنتهي فورا بصيحة غضب شعبية واعية، تعيد الانتباه إلى حجم الكارثة التي تتفاقم يوما بعد يوم.
المدينة التي ألهمت الشعراء لا تستحق أن تهان في “طابور ميكروباص”، أو تذل بمشاوير مقطعة بأسعار سياحية في مدينة ينهشها الغلاء، إيقاف الترام والقطار دون خطة طوارئ حقيقية هو “انتحار لوجستي”، والإسكندرية اليوم ليست “عروسا”، بل مدينة “منكوبة” بقراراتها، ومسجونة في زحامها.
إن ما يحدث في الإسكندرية اليوم ليس “خطة تطوير”، بل هو “تطهير عرقي” لكل معالم المدنية والتحضر، إن ترك ملايين السكندريين لنهش “المشاريع” وعبث السائقين هو مقامرة بالسلم الاجتماعي لن يحمد عقباها، فالمواطن الذي يحتمل غلاء الخبز والدواء قد لا يحتمل طويلا غياب “الطريق”.
واغتيال “الكرامة” على أبواب الميكروباصات، ارفعوا أيديكم عن تاريخنا إذا كنتم عاجزين عن إدارة حاضرنا، وأيقظوا “مروركم” المغيب قبل أن تستيقظوا على مدينة أكلها الغضب بعد أن أكلها الزحام، الإسكندرية ليست مجرد محطات قطار وترام، الإسكندرية هي “كرامة المواطن”، فإذا سقطت الكرامة فلا تسألوا عن المدينة.
فهل من مستجيب قبل أن يغلق المحضر، وتقيد الإسكندرية ضد “مجهول” يجلس خلف مكتبه المكيف، يا أهل الإسكندرية عظم الله أجركم في “الانتقال الآدمي”، وحتى يصحو “المرور” من غفوته، لنا الله في شوارع لم تعد تعرف للرحمة طريقا.
يوسف عبداللطيف يكتب: الإسكندرية في ذمة الله.. حين تصبح “العروس” رهينة قراصنة الأسفلت”

