تتصدر ظاهرة الطلاق نقاشات مجتمعنا العربي في الآونة الأخيرة، بعد أن سجلت معدلاتها أرقاماً تدق ناقوس الخطر. وأمام هذا المشهد، نجد أنفسنا أمام تساؤل جوهري: هل بات الانفصال “موضة” عصرية تستهوي الأجيال الجديدة، أم أنه نتيجة حتمية لتغيرات عميقة عصفت بالبنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؟
إن الطلاق ليس مجرد قرار فردي ينتهي بكلمة، بل هو ظاهرة معقدة تتغذى على عدة جذور، أبرزها “غياب التكافؤ” بين الزوجين بمختلف أبعاده الثقافية والمادية. يضاف إلى ذلك تراجع الوعي الديني، والتأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت شريكاً ثالثاً في الفراش الزوجي، تبث المقارنات وتؤجج الخلافات، ناهيك عن الضغوط الاقتصادية التي أثقلت كاهل الأسر.
وإذا نظرنا إلى خريطة الاستقرار الأسري، سنجد تبايناً واضحاً بين الريف والحضر؛ فبينما لا يزال الريف يحتفظ بتماسكه بفضل سطوة القيم والتقاليد والترابط العائلي، يعاني الحضر من ارتفاع وتيرة الانفصال نتيجة ضغوط الحياة ونمط الاستهلاك الذي غير من طبيعة العلاقات الإنسانية.
وبالمقارنة مع “الزمن الجميل”، نجد فجوة شاسعة؛ حيث كان الطلاق استثناءً نادراً، وكان المجتمع بجذوره وكباره يتدخل لاحتواء الأزمة قبل وقوعها. أما اليوم، فقد أصبح الانفصال “سهلاً” في متناول اليد، متجاهلاً الدور المحوري الذي يجب أن تلعبه الأسرة في تقديم الدعم النفسي والإرشاد للأبناء.
إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من العودة إلى جوهر الدين الذي يحث على الصبر والتسامح، وإعلاء لغة الحوار والاحترام المتبادل. فالطلاق ليس صرعة عابرة، بل هو حقيقة مؤلمة تتطلب تكاتف الجميع؛ مؤسسات وأسر وأفراد، لحماية الكيان الأسري من الانهيار.
ياسر السجان يكتب : بين استقرار الريف وصدمات الحضر.. لماذا غاب “زمن الصبر”

