في زمنٍ تتبدل فيه الحقائق كما تتبدل عناوين نشرات الأخبار علي مدار الساعة ، وتصنع فيه الزعامات على شاشات التلفزيون أكثر مما تصنع في ميادين المواجهة بين الدول، يصبح من الضروري أن نتوقف قليلا أمام مشهد كاشف ، ربما لا يحتاج إلى كثير من التحليل بقدر ما يحتاج إلى قدر من الصدق في القراءة. ذلك المشهد الذي انتهى بأن بدا الرئيس الأمريكي ترامبDonald Trump، في أعين كثيرين، أقرب إلى “بطل من ورق”، أو لنقل بدقة أكبر: زعيم من ورق.
لقد اعتدنا، عبر سنوات طويلة، على صورة أمريكا التي لا تقهر، الدولة التي تفرض إرادتها، وتعيد تشكيل خرائط العالم وفق مصالحها، دون أن تلتفت كثيرًا لاعتراض أو رفض. لكن ما جرى مؤخرا، وما سبقه من إرهاصات، يكشف أن هذه الصورة لم تعد بتلك الصلابة التي رُوّج لها، وأن القوة التي بدت يومًا مطلقة، باتت اليوم موضع اختبار حقيقي.
حين تصمد دولة، أيا كانت الملاحظات على سياساتها، في مواجهة ضغط عسكري وسياسي وإعلامي هائل، فإن هذا الصمود في حد ذاته يطرح سؤالًا كبيرًا: هل ما زالت القوة الأمريكية قادرة على فرض الحسم؟ أم أننا أمام عالم يتغير، تتراجع فيه الهيمنة لصالح توازنات جديدة؟
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، أن الذريعة المعلنة كانت البرنامج النووي الإيراني، بينما ظلّت ملفات أخرى، أكثر وضوحا وخطورة، خارج دائرة الضوء، وكأن المعايير تفصل حسب الهوى السياسي لا وفق قواعد العدالة الدولية. وهنا تتكشّف واحدة من أخطر أزمات النظام الدولي: ازدواجية المعايير، التي لم تعد خافية على أحد.
لقد قيل كثيرا إن التصعيد الحالي قد يقود إلى حرب شاملة، لكن القراءة المتأنية كانت تشير إلى أن ما يجري أقرب إلى إدارة صراع، لا إلى حسمه. تصعيد محسوب، ورسائل متبادلة، وسقف مرتفع في الخطاب، يقابله حذر شديد في الفعل. وهو ما تأكد لاحقًا عندما جاءت لحظة التراجع، أو لنقل لحظة “إعادة الحسابات”.
قرار التهدئة، ولو المؤقتة، وفتح الممرات الحيوية أمام التجارة، لم يكن مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بل حمل في طياته دلالات أعمق. دلالات تقول إن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تتجاهل كلفة المواجهة، ولا يمكنها أن تفرض إرادتها دون حساب رد الفعل.
وهنا تحديدا تتشكل صورة “الزعيم من ورق”. الزعيم الذي يرفع سقف التهديد، ويُلوّح بالقوة، لكنه حين يصل إلى لحظة الاختبار، يكتشف أن الواقع أكثر تعقيدًا من الشعارات، وأن العالم لم يعد يُدار بقرارات أحادية كما كان يتصور.
ليس المقصود هنا تمجيد طرف على حساب آخر، بقدر ما هو محاولة لفهم ما جرى: كيف يمكن لدولة تحاصر، وتهدد، وتتهم، أن تفرض معادلة تجعل الطرف الأقوى يعيد التفكير؟ وكيف يمكن لزعامة بنيت على استعراض القوة، أن تتراجع أمام معادلة الصمود؟
ربما يكون أهم ما في هذا المشهد، أنه يعيد الاعتبار لفكرة الإرادة. إرادة الشعوب والدول التي ترفض الانكسار، حتى وإن كانت كلفة ذلك باهظة. وفي المقابل، يفضح هشاشة القوة حين تعتمد فقط على الصورة، لا على القدرة الحقيقية على الحسم.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم: أن العالم يتغير، وأن موازين القوى لم تعد كما كانت، وأن الزعامة الحقيقية لا تُقاس بحجم التهديدات، بل بقدرة صاحبها على إدارة الأزمات دون أن يفقد مصداقيته. أما الزعامة التي تتضخم في الخطاب، ثم تنكمش في الفعل، فهي – ببساطة – زعامة من ورق، مهما حاولت أن تبدو من حديد!!
د.فتحي عامر يكتب: دولة وزعيم من ورق ..شكرا ايران !

