توقف عن القراءة فورا إذا كنت تعتقد أن وظيفتك محمية بـ “قوة القانون” أو “سنوات الخبرة”، الحقيقة المرة أنك الآن، وفي هذه اللحظة، لست سوى “بيانات” يتم تحليلها في مختبرات السيليكون ليتم استبدالك، بينما أنت تطمئن لكرسيك الدوار، هناك “خوارزمية” لا تنام، لا تمرض، ولا تطلب مكافأة، قد وقعت بالفعل قرار إحالتك للتقاعد الإجباري وأنت لا تدري.
بينما ننشغل نحن بصراعات الـ “تريند” التافهة ومعارك “التيك توك” الوهمية، هناك ثورة صامتة تجري خلف الشاشات، ثورة لا ترفع شعارات، بل ترفع “أكوادا”، إننا لا نواجه مجرد تطور تكنولوجي، بل نواجه “انقلابا رقميا” سيطيح بكل من يظن أن شهادته الجامعية المتربة أو “ختم النسر” سيحميه من طوفان الخوارزميات.
تخيل أن تدخل مكتبك صباحا، تضع حقيبتك، وتستعد لمعركة أسبوعية مع التقارير والبيانات، لتكتشف أن “خوارزمية” صماء أنجزت كل ما كنت تنوي فعله في 3 ثوان فقط، نحن لا نتحدث عن خيال علمي، نحن نتحدث عن “تسونامي” يضرب المكاتب المصرية الآن، الـ “Bot” ليس مجرد زميل جديد “ثقيل الظل”، بل هو المدير القادم الذي يمتلك بالفعل “استمارة 6” الخاصة بك، وينتظر فقط اللحظة المناسبة ليضغط على زر الإرسال.
الموظف “المحنط” في مواجهة “السيليكون”، فلنكن صرحاء لدرجة الألم، الموظف التقليدي الذي يقتات على “الروتين”، ويقضي نصف يومه في صياغة إيميلات كان يمكن اختصارها في جملة، ونصفه الآخر في انتظار “ساعة الانصراف”، هو عمليا “ميت إكلينيكيا”، الـ “Bot” ليس مجرد برنامج، هو “الموظف المثالي” الذي لا ينام، لا يطلب زيادة مرتب، ولا يدخل في نميمة المكاتب، السؤال الصادم هنا، إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بعملك بتكلفة صفر، فلماذا تستمر أي شركة في دفع “ثمن وجودك”؟
اقتصاد الـ “بوت”، هل نتحول إلى أمة من “المتفرجين”، لأنني محلل يرى المشهد من أعلى، أقولها لكم، نحن أمام “تصفية جيوسياسية” للوظائف، الدول التي لا تنتج التكنولوجيا، ستكتفي باستهلاكها، ومع الاستهلاك يأتي الاستبدال، عندما يتحول “المحاسب” و”المحامي” و”الصحفي” إلى مجرد مدخلين للبيانات أمام شاشة الذكاء الاصطناعي، فنحن لا نتحدث عن أزمة بطالة، بل نتحدث عن “تآكل الطبقة الوسطى”، العمود الفقري للدولة المصرية.
هل سنرى قريبا جيوشا من المثقفين يجلسون على المقاهي، ليس بحثا عن “وحي الأدب”، بل هربا من “وحي الخوارزمية” التي سرقت مكاتبهم، المسألة ليست مجرد “توفير نفقات” لشركات تبحث عن الربح، بل هي مواجهة مع جيوش من خريجين تقليديين يخرجون لسوق عمل لا يعترف إلا بـ “التقنيين الجدد”.
المفارقة المضحكة المبكية، أننا في الوقت الذي نحتاج فيه لعقول تروض هذا الذكاء الاصطناعي، نغرق في “صناعة التفاهة”، جيل الـ 15 ثانية الذي يعتقد أن النجاح هو “رقصة تيك توك” أو “فيديو بلوجر”.
بينما “البوت” يلتهم وظائف الطبقة الوسطى بدم بارد، هل فقدنا القدرة على التركيز لدرجة أننا لم نعد نرى أن العالم يتم إعادة تشكيله بالكامل خلف شاشات الموبايل، الذكاء الاصطناعي لا يملك “الروح”، ولكن سيخرج علينا “الدراويش” ليقولوا “الآلة بلا روح، ولا يمكنها تعويض اللمسة البشرية”.
هذه عبارة حق أريد بها باطل، أو ربما أريد بها “تنويمنا مغناطيسيا”، نعم، الـ “Bot” لا يملك روحا، لكنه يملك “الكفاءة المطلقة”، وفي عالم يحكمه السوق المتوحش، الكفاءة تسبق الروح دائما، الحقيقة المرة أننا إذا استمررنا في تعليم أبنائنا “كيف يحفظون” لا “كيف يفكرون”، فإننا نعدهم رسميا ليكونوا ضحايا في مذبحة الوظائف القادمة.
السؤال الذي يجب أن يطاردك في منامك ليس “هل سيأخذ الـ Bot مكاني”، بل “أين ستكون مهنتك بعد سنتين”، التحول من “ضحية للآلة” إلى “مدير لها” هو طوق النجاة الوحيد، الذكاء الاصطناعي قد يسرق الوظيفة التي تعتمد على التكرار، لكنه يقف عاجزا أمام “الدردشة المصرية” والحدث الذي يدير أعقد الصفقات، الآلة ستأخذ وظيفتك فقط إذا قررت أنت أن تظل موظفا “آليا” يسير بـ “الكتالوج” القديم.
في النهاية، الـ “Bot” لن يسرق كرسيك، بل سيسرق “عدم جدواك”، المستقبل لا يعترف بالباكين على أطلال المكاتب أو المتمسكين بتلابيب الماضي المترب، نحن أمام مفترق طرق تاريخي، إما أن تروض هذا المارد الرقمي ليكون خادمك المطيع، أو أن تستعد لتكون مجرد “أرشيف” في ذاكرة آلة لا تعرف الندم، فالمقعد الذي تجلس عليه الآن لم يعد ملكك، إنه ملك لمن يمتلك مفاتيح “الكود”.
انتهى زمن الموظف، وبدأ زمن السيادة الرقمية، فهل أنت مستعد للاختفاء، وداعا للموظف التقليدي الذي ظن أن “الواسطة” أو “ختم النسر” هما حصنه الحصين، الخوارزمية لا تعرف “ابن مين في مصر”، ولا تهتم بمهاراتك في صب الشاي أو مجاملة المدير، العالم يدهس المتفرجين، والقطار الرقمي لن ينتظر من لا يزال يبحث عن “فيشة” الكمبيوتر.
استيقظوا قبل أن تفتحوا أعينكم ذات صباح لتجدوا أن “الروبوت” قد شرب قهوتكم، وأنجز عملكم، وترك لكم “لايك” يتيما على ذكرياتكم المهنية الراحلة، إما “السيادة” أو “الإبادة المهنية”، فإن “البوت” لن يجلسنا في بيوتنا إذا قررنا أن نكون نحن “أسياد البرمجة” لا عبيد النتائج، نحن بحاجة إلى ثورة في العقل قبل التقنية.
لا تطلبوا من الدولة وظيفة ميرية، بل اطلبوا من أنفسكم “عقلا رقميا”، يا سادة، المستقبل لا يحترم “الكسالى” مهما كانت بلاغتهم، فإما أن تتعلم كيف “تركب” الموجة، أو استعد لأن تغرق تحت أقدام “سيرفرات” لا تعرف الرحمة، المقعد في المكتب لم يعد مضمونا، والميدان اليوم لمن يملك “الكود” والجرأة، والباقي ليتفضلوا بالجلوس على المقاعد الخلفية للتاريخ.
يوسف عبداللطيف يكتب: التقاعد الإجباري بقرار من المارد الرقمي

