Site icon بوابة العمال

ياسر السجان يكتب : باعة الوهم.. كيف تقتل الإعلانات المجهولة المرضى؟

فوضى الإعلانات الطبية المجهولة، صارت وباء يملأ الشاشات ويتسلل إلى الهواتف ويطارد الناس في كل منصة بلا رقيب ولا سند علمي ولا مصدر واضح ولا جهة مسؤولة وصار كل من يملك كاميرا وهاتفا يستطيع أن يصور زجاجة بلا ملصق ويقول هذا علاج لكل داء ويقسم أن مريضا كان على حافة الموت وشفي في يومين ويعرض تعليقات مصطنعة وشهادات مزيفة وصورا قبل وبعد لا يعرف أحد مصدرها، والناس في زمن القلق والبحث عن حل سريع تصدق وتشتري وتدفع وتجرب على أجسادها ما لم يجربه مختبر ولا أقره طبيب ولا راجعته هيئة دواء

الفوضى تبدأ من سهولة النشر فالمنصات مفتوحة والحسابات وهمية والروابط متغيرة والأسماء مستعارة ولا أحد يسأل من أنت ولا من أين أتيت بهذا المنتج ولا أين صنع ولا ما مكوناته ولا ما آثاره الجانبية ولا ما الجرعة الآمنة ولا ما موانع الاستخدام ولا ما التفاعلات مع الأدوية الأخرى وكل هذه الأسئلة التي يسألها العلم قبل أن يسمح بتداول قرص واحد تصبح بلا معنى أمام فيديو مدته ثلاثون ثانية يقول فيه شخص بملابس بيضاء جرب ولن تندم

والخطر يتضاعف لأن هذه الإعلانات لا تبيع مجرد وهم بل تبيع تأخير في العلاج الحقيقي فالمريض الذي يشعر بألم في الصدر أو بورم أو بسكر مرتفع أو بضغط متقلب قد يؤجل زيارة الطبيب لأنه اشترى زجاجة من معلن مجهول وعده بالشفاء التام بلا آثار جانبية وبلا كيماويات وبلا عمليات ويمضي أسبوع وأسبوعان والزجاجة تنتهي والمرض يتقدم والحالة تسوء وعندما يصل أخيرا إلى المستشفى يكون الوقت قد تأخر وتكون المضاعفات قد ثبتت وتكون الفاتورة الصحية والنفسية والمادية قد تضاعفت بسبب إعلان مجهول .

والجانب الآخر من الفوضى أن هذه السوق تخلق اقتصادا خفيا لا يدفع ضرائب ولا يلتزم مواصفات ولا يتحمل مسؤولية قانونية إن حدثت كارثة والمنتج قد يكون ماء ملونا وقد يكون أعشابا مجهولة المصدر وقد يكون خليطا من مواد كيميائية خطيرة بلا نسب محسوبة ولا رقابة تصنيع ولا تاريخ صلاحية ولا تخزين سليم فيصل إلى المريض وقد فسد أو تلوث أو تفاعل مع العبوة نفسها ويتحول من وهم إلى سم والضحية لا تعرف من تشتكي ولا أين تذهب لأن البائع اختفى والصفحة أغلقت والرقم صار خارج الخدمة

والأسباب التي غذت هذه الفوضى كثيرة أولها ضعف الوعي الصحي العام وغياب الثقافة الدوائية التي تجعل الإنسان يفرق بين الدواء المرخص والمكمل الغذائي والعشبة التقليدية والوصفة الشعبية والخرافة التسويقية وثانيها بطء الإجراءات في بعض الأنظمة الصحية وصعوبة الوصول إلى طبيب متخصص بسرعة وارتفاع كلفة العلاج في بعض الأحيان مما يدفع الناس إلى البحث عن حل أرخص وأسرع ولو كان بلا ضمان وثالثها قوة تأثير الصورة والفيديو على القرار العاطفي فالناس تصدق ما تراه وتتأثر بقصة شفاء درامية أكثر مما تتأثر بنشرة علمية جافة

ورابعها غياب العقاب الرادع فالإعلان الطبي المجهول يحتاج إلى حساب مغلق وساعة تصوير وممثل يحفظ سطرين ثم أرباحا كبيرة بلا مخاطرة لأن الملاحقة القانونية بطيئة والإثبات صعب والمنصات تتذرع بحرية النشر وتصعب إجراءات الحذف وتحتاج إلى بلاغات كثيرة حتى تتحرك والخامس أن بعض المؤثرين يبيعون الثقة التي جمعوها من المتابعين مقابل مبلغ فيقرأون أي نص يعطى لهم ويقسمون على أي منتج وهم يعلمون أن المتابع يثق في وجوههم لا في المنتج نفسه

والحل يبدأ من تنظيم صارم للإعلان الطبي بحيث لا يسمح لأي جهة بالإعلان عن منتج له علاقة بالصحة إلا بعد تقديم رقم تسجيل رسمي من هيئة الدواء واسم الشركة المصنعة وعنوانها وترخيصها وتاريخ الصلاحية والمكونات والآثار الجانبية وموانع الاستخدام ويكون ذلك مكتوبا واضحا في الإعلان نفسه لا في رابط مخفي ولا في رسالة خاصة ويجب أن تتحمل المنصات مسؤولية مباشرة عن كل محتوى طبي ممول فتراجعه قبل النشر وتحذفه فورا إن خالف الشروط وتغلق الحسابات المخالفة بشكل نهائي .

والحل يمر أيضا عبر تمكين المريض من التحقق بنفسه من خلال تطبيق رسمي واحد تابع لوزارة الصحة وهيئة الدواء يدخل فيه اسم المنتج أو صورته أو رقمه فيظهر له فورا إن كان مرخصا أم لا وما استخداماته وما محاذيره وبذلك نقطع الطريق على الوهم قبل أن يباع

والحل يستكمل بتشديد العقوبات على من يروج لمنتج طبي بلا ترخيص فتكون الغرامة كبيرة والسجن حاضرا إن تسبب المنتج في ضرر صحي ويعلن ذلك للناس حتى يعرف كل من يفكر في المتاجرة بصحة البشر أن الثمن باهظ

والحل يحتاج إلى إعلام واع يقدم مساحة للطب المبني على الدليل ويستضيف أطباء يشرحون للناس بلغة بسيطة كيف يفرقون بين العلم والخرافة وكيف يقرؤون النشرة الدوائية وكيف يسألون الصيدلي وكيف يبلغون عن إعلان مشبوه

والحل أيضا عند كل فرد أن يسأل قبل أن يشتري وأن يشك قبل أن يصدق وأن يطلب وصفة من طبيب وأن يشتري من صيدلية مرخصة وأن يرفض أي منتج بلا اسم ولا عنوان ولا نشرة وأن يبلغ عن أي إعلان يراه مخالفا لأن السكوت مشاركة في الفوضى

الفوضى في الإعلانات الطبية المجهولة ليست مسألة تسويق سيئ بل مسألة حياة وموت ومسألة ثقة عامة في المنظومة الصحية ومسألة أموال تضيع على الوهم ومسألة مرضى يتأخر علاجهم ومسألة سمعة بلد تتحول إلى سوق للخرافة إن تركنا الحبل على الغارب

والدواء لا يصنع في استوديو تصوير ولا يختبر بعدد المشاهدات ولا يعتمد بتعليق شكرا شفيت الدواء علم وترخيص وتجارب ومراقبة ومسؤولية وأي طريق آخر هو طريق إلى الخطر حتى لو كان معبدا بالوعود ومزينا بالصور

والغد الصحي الآمن نصنعه اليوم بقرار واضح وبقانون يطبق وبمنصة تحذف وبطبيب يتكلم وبمريض يسأل وبمجتمع يرفض أن تتحول صحته إلى سلعة في يد مجهول يتاجر بالألم ويبيع الأمل في زجاجة بلا هوية

ياسر السجان يكتب : باعة الوهم.. كيف تقتل الإعلانات المجهولة المرضى؟

Exit mobile version