الوحدة الوطنية ليست شعارا نعلقه على الجدران ولا أغنية نرددها في المناسبات الوحدة الوطنية هي البيت الذي نسكن فيه جميعا بلا أبواب مغلقة ولا نوافذ مسدودة هي النهر الذي نشرب منه جميعا فلا يقول الماء هذا لي وهذا لك هي الدم الذي يجري في العروق فلا يسأل أحد من أين جئت بل يسأل هل أنت بخير وهل الوطن بخير.
والوطن لا يعرف الفرق بين مسجد وكنيسة ولا يسأل عن اسم ولا عن لقب ولا عن لهجة، الوطن يعرف فقط من يحبه ومن يعمل له ومن يدفع عنه ومن يبنيه ومن يحميه ومن يرفع رايته ومن يمسح دمعه ومن يزرع أرضه ومن يعلم أبناءه ومن يصدق معه في الحرب وفي السلام وفي الرخاء وفي الشدة .
والوحدة الوطنية ولدت يوم ولدت مصر على ضفاف النيل حين تعلم الناس أن الخير لا يأتي إلا باليد الممدودة وأن الشر يأتي من اليد المرتعشة وأن الظهر لا ينكسر حين يسنده ظهر آخر وأن السفينة لا تغرق حين يجدف فيها الجميع في اتجاه واحد وأن النار لا تأكل بيتا إذا أطفأها الجميع معا وأن الريح لا تهدم جدارا إذا استند الجميع إليه.
والتاريخ علمنا أن مصر لن تسقط يوما إلا حين تفرقت ولم تنتصر إلا حين توحدت وأن العدو لا يدخل من الحدود بل يدخل من الشقوق وأن الشقوق لا يصنعها الغريب بل يصنعها القريب حين ينسى أن الوطن أكبر من الغضب وأكبر من المصلحة وأكبر من الحزب وأكبر من الطائفة وأكبر من القبيلة وأكبر من كل اسم إلا اسم مصر .
والوحدة الوطنية ليست أن نكون نسخا متطابقة بل أن نكون نسيجا واحدا بخيوط مختلفة فالخيط الأحمر لا يلغي الخيط الأزرق والخيط الأزرق لا يلغي الخيط الأصفر وكل الخيوط حين تجتمع تصنع علما واحدا يرفرف فوق رؤوس الجميع ويحمي الجميع ويظلل الجميع ويفتخر به الجميع .
وفي المحن ظهر المعدن الحقيقي للمصريين فحين اشتعلت الحروب كان المسلم يحمل المصاب المسيحي على كتفه وكان المسيحي يضمد جرح المسلم وكان الجندي لا يسأل من في الخندق معه بل يسأل هل معك ذخيرة تكفينا نحن الاثنين وكان الفلاح يرسل قمحه للجبهة بلا سؤال وكان العامل يبيت في المصنع ليصنع سلاح النصر بلا مقابل وكان الطالب يترك كتابه ليمسك البندقية ثم يعود إلى كتابه ليبني بالعلم ما حماه بالدم
والوحدة الوطنية اليوم ليست ترفا بل ضرورة لأن التحديات لا تطرق الباب وتستأذن بل تدخل من كل نافذة مفتوحة والإرهاب لا يفرق بين بيت وبيت والفقر لا يسأل عن اسم والجهل لا يستثني أحدا والشائعة لا تبحث عن عنوان والفتنة لا تختار ضحاياها بالهوية بل تختار كل من يترك لها الباب مواربا
والوحدة الوطنية تبدأ من البيت حين تعلم الأم أولادها أن الجار هو أخ وأن زميل المدرسة هو سند وأن الوطن هو العائلة الكبرى وتبدأ من المدرسة حين يشرح المعلم أن الدين لله وأن الوطن للجميع وأن الكرامة لا تتجزأ وأن الحق لا يتجزأ وأن الظلم على واحد هو ظلم على الكل وأن الفرح بواحد هو فرح للكل
وتبدأ من المسجد حين يقول الإمام إن حب الوطن من الإيمان وإن حماية الكنيسة كحماية المسجد وإن الدم كله حرام وتبدأ من الكنيسة حين يقول القس إن المحبة لا تعرف دينا وإن الخير لا يعرف اسما وإن الذي يبني مدرسة يبني وطنا والذي يطعم جائعا يطعم أمة .
وتبدأ من الإعلام حين يدرك أن الكلمة قد تبني وقد تهدم وأن الخبر قد يوحد وقد يفرق وأن الصورة قد تجمع وقد تشتت وأن المسؤولية ليست في السبق بل في الصدق وليست في الإثارة بل في الإنارة وليست في تقسيم الناس بل في جمعهم على كلمة سواء .
وتبدأ من الدولة حين ترى المواطن إنسانا له حق وله كرامة وله صوت وله حلم وله نصيب في الخير وفي العدل وفي القانون وفي الفرصة وفي العلاج وفي التعليم وفي الأمان وحين يرى المواطن الدولة بيتا يحميه لا جدارا يخيفه
والشباب هم عماد الوحدة الوطنية لأنهم الطاقة التي إما تبني وإما تهدم وإما توحد وإما تفرق وإما تضيء وإما تحرق والشاب الذي يجد عملا يجد وطنا والشاب الذي يجد عدلا يجد انتماء والشاب الذي يجد أملا يجد سببا ليبقى ويبني ويدافع ويحب
والمرأة هي ضمير الوحدة الوطنية لأنها التي تربي ولأنها التي تصبر ولأنها التي تلم الشمل ولأنها التي تطفئ نار الفتنة قبل أن تشتعل ولأنها التي تعرف أن البيت لا يقوم إلا إذا كان القلب واحدا وأن الوطن لا يقوم إلا إذا كانت القلوب على قلب واحد
والقوات المسلحة والشرطة هما سياج الوحدة الوطنية لأنهما لا يحميان حدودا فقط بل يحميان نسيجا ولأنهما لا يدفعان عدوا فقط بل يدفعان فتنة ولأنهما لا يرفعان سلاحا فقط بل يرفعان طمأنينة ولأنهما لا يفرقان بين دم ودم ولا بين بيت وبيت ولا بين مواطن ومواطن
والاقتصاد القوي هو أحد أعمدة الوحدة الوطنية لأن الجوع يصنع الغضب والغضب يصنع الفرقة والفرقة تصنع السقوط والعدل في توزيع الثروة هو عدل في توزيع الانتماء والفرصة للجميع هي ولاء من الجميع والمشروع الذي يفتح في الصعيد كالمشروع الذي يفتح في الدلتا كالمشروع الذي يفتح في سيناء لأن الوطن جسد واحد والدم حين يصل إلى طرف يغذي الجسد كله
والثقافة والفن هما روح الوحدة الوطنية فالأغنية التي نحبها جميعا والفيلم الذي يبكينا جميعا والرواية التي تجمعنا على مائدة واحدة والمسلسل الذي ينتظره الناس في البيوت كلها والمسرح الذي يضحك فيه الغني والفقير واللوحة التي يفهمها الجميع بلا ترجمة كلها جسور تعبر فوق الاختلاف وتصل إلى المشترك الإنساني الذي يوحدنا
والاختلاف ليس خطرا بل هو الحياة لأن العقل الواحد يمل واللون الواحد يبهت والصوت الواحد يصمت لكن الخطر أن يتحول الاختلاف إلى خلاف وأن يتحول الخلاف إلى صراع وأن يتحول الصراع إلى كراهية وأن تتحول الكراهية إلى دم وأن يتحول الدم إلى ثأر وأن يتحول الثأر إلى نار لا تبقي ولا تذر
والدرس الذي تعلمناه من كل السنين أن مصر تبقى حين يبقى أبناؤها على قلب واحد وأن مصر تتعب حين يتعب أبناؤها من بعضهم وأن مصر تنهض حين ينهض أبناؤها معا وأن مصر تنكسر حين ينكسر أبناؤها على بعضهم وأن النصر الحقيقي ليس في معركة نكسبها ضد عدو بل في معركة نكسبها ضد الفرقة
واليوم ونحن ننظر إلى الخريطة نرى أن الخطر لا يزال قائما وأن الأطماع لا تنام وأن الشائعات لا تتوقف وأن الفتن تلبس كل يوم ثوبا جديدا لكننا نرى أيضا أن الوعي يكبر وأن الناس تعلمت الدرس وأن البيوت صارت تعرف أن العدو الأول هو الفرقة وأن السلاح الأول هو الوحدة وأن الدرع الأول هو الحب
وغدا نستكمل الطريق لأن الوحدة الوطنية ليست محطة نصل إليها ثم نستريح بل هي طريق نمشيه كل يوم ونرصفه كل يوم وننظفه كل يوم ونحميه كل يوم من حفرة يحفرها جاهل ومن شجرة يزرعها حاقد ومن حجر يرميه عابث
والوطن واحد والدم واحد والعلم واحد والنشيد واحد والحلم واحد والمصير واحد فإما أن ننجو معا وإما أن نغرق معا ولا خيار ثالث ولا طريق وسط ولا مساحة للرمادي فإما أن نكون على قلب رجل واحد وإما أن نصير خبرا في كتب التاريخ عن شعب كان وكان .
والوحدة الوطنية هي أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وأن تخاف على بيت جارك كما تخاف على بيتك وأن تفرح بنجاح غيرك كأنه نجاحك وأن توجعك دمعة غيرك كأنها دمعتك وأن ترى في كل مصري أخا وفي كل مصرية أختا وفي كل طفل ابنك وفي كل شيخ أباك .
والوحدة الوطنية هي أن نقول نحن قبل أن نقول أنا وأن نقول مصر قبل أن نقول أي شيء آخر وأن نرفع الراية فوق كل راية وأن نضع الوطن فوق كل اعتبار وأن نمسك بأيدي بعضنا حين تميل الأرض وأن نسند بعضنا حين تشتد الريح وأن نمضي معا حتى نصل معا
والوطن واحد وسيبقى واحدا لأن له شعبا يعرف أن الفرقة موت وأن الوحدة حياة وأن الحياة لا تستحق أن نعيشها إلا معا.
ياسر السجان يكتب :الوطن بيتٌ لا يعرف الأبواب المغلقة

