Site icon بوابة العمال

مفتي الجمهورية : دار الإفتاء تضطلع بدور محوري في مواكبة التحولات المتسارعة في مجالات التعليم والتأهيل المهني

فوقية ياسين

أكد .د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن المؤهلات المصغرة من أبرز الأدوات الحديثة التي تسهم في بناء نظام تعليمي مرن يربط بفاعلية بين مخرجات التعلم واحتياجات سوق العمل، مشددًا على أهمية مواكبة التحولات المتسارعة في نُظم التعليم والتوظيف على المستوى العالمي.

 

جاء ذلك في كلمته التي ألقاها خلال أعمال المؤتمر الدولي الثامن للهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، الذي عُقد بعنوان: “المؤهلات المصغرة والإطار الوطني للمؤهلات جسور عبر الحدود”، تحت رعاية كريمة من دولة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، وبحضور نخبة من الشخصيات الرسمية والمتخصصين.

 

وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية أن العالم يشهد تحولات متسارعة تفرض إعادة النظر في أنماط التعلم التقليدية، والاتجاه نحو نماذج أكثر مرونة وكفاءة تستهدف اكتساب مهارات محددة في زمن وجيز، مثل مهارات البرمجة وتحليل البيانات، مع الحصول على شهادات معتمدة توثق هذه الجدارات، بما يسهم في بناء منظومة تعليمية قادرة على التفاعل مع متغيرات سوق العمل، مضيفًا أنَّ المؤتمر يأتي في سياق مواكبة هذه التحولات، مركزًا على دَور المؤهلات المصغرة في تعزيز الإطار الوطني للمؤهلات، بما يدعم تنافسية الكفاءات البشرية، ويعزز مسارات التعلُّم المستمر، ويسهم في تحقيق المواءمة بين التأهيل العلمي ومتطلبات الواقع العملي.

 

وأشار مفتي الجمهورية إلى أنَّ المؤهلات المصغرة تعدُّ صورة عصرية لبناء الكفاءات التي تمكِّن الإنسان من عمارة الأرض، وهو مقصد شرعي أصيل، مستشهدًا بقوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، مؤكدًا أن اكتساب المهارات المتخصصة في زمن وجيز مع توثيقها والاعتراف بها يعد من وسائل تحقيق هذا المقصد، ويسهم في سد فجوة المهارات التي يشهدها العالم، مبينًا أن دار الإفتاء المصرية تضطلع بدور محوري في مواكبة هذه التحولات، من خلال بيان الموقف الشرعي من القضايا المستجدة في مجالات التعليم والتأهيل المهني، مع التأكيد على أن اكتساب المهارات الحديثة وتطوير القدرات الإنسانية يعد من قبيل الأخذ بالأسباب المأمور بها شرعًا، ما دام منضبطًا بالقيم والأخلاق والأعراف. وفي هذا الإطار تعمل دار الإفتاء على ترسيخ ثقافة التعلم المستمر، وربط ذلك بمقاصد الشريعة في عمارة الأرض وتحقيق المصالح ودفع المفاسد، مع الانفتاح الواعي على التجارب العالمية، إذ إن التقدم الحقيقي يقوم على التكامل بين الأصالة والمعاصرة. وفي ذلك أرست السُّنة النبوية الشريفة قيمة المهارة النافعة، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”، فالقوة تشمل العمل والخبرة وتطوير الذات، وتمكين الشباب من مهارات دقيقة عبر هذه المؤهلات يمثل استثمارًا حقيقيًّا في بناء القوة النافعة التي تجمع بين الكفاءة المهنية والمسؤولية الأخلاقية.

 

واستحضر مفتي الجمهورية في هذا السياق قاعدة فقهية أصيلة مؤداها: “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، موضحًا أن عمارة الأرض وتحقيق الكفاية وسد احتياجات سوق العمل من فروض الكفايات التي دعت إليها الشريعة. وأشار إلى أن بناء الإطار الوطني للمؤهلات القائم على نواتج التعلم يجسد قيمة العدل والإنصاف، حيث يُعطَى كل ذي مهارة قَدْرُه، ويقيَّم الإنسان بما يُحسنه، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. وعليه، فإن دعم الاعتراف بنواتج التعلُّم المكتسبة خارج الأُطر النظامية يمثل توسعة معتبرة في مفهوم التعلم في الإسلام، الذي لم يقيد تحصيل العلم بمؤسسة بعينها، بل فتح آفاقه لكل وسيلة نافعة، لافتًا الانتباه إلى ما أشار إليه الإمام الشافعي من أهمية تنوع مصادر المعرفة في بناء الإنسان.

 

وفي سياق متصل، بين فضيلته أن مفهوم “جسور عبر الحدود” لا يقتصر على الانتقال الجغرافي، بل يشمل انتقالًا معرفيًّا وإنسانيًّا يعزز التعارف والتكامل بين الشعوب، استنادًا إلى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]، مشددًا على أهمية الشراكة مع قطاع الأعمال لتحقيق التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، بما يتسق مع القاعدة الفقهية: “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”.

 

وفي ختام كلمته، أكَّد مفتي الجمهورية دعم دار الإفتاء لكل الجهود الرامية إلى تطوير منظومة التعليم، مع ضرورة أن يظل هذا التطوير منضبطًا بالقيم والأخلاق، بما يحقق التوازن بين العلم والعمل، والمهارة والقيمة، ويسهم في بناء إنسان متكامل قادر على الإسهام في نهضة وطنه وبناء الحضارة الإنسانية على أُسس من الرحمة والعدل والإتقان.

Exit mobile version