Site icon بوابة العمال

يوسف عبد اللطيف يكتب: مقصلة “الأيام العصيبة”.. هل تحمينا “أحزاب البرامج” أم تغرقنا “ماراثونات الكراسي”؟

على رصيف الأماني المجهضة، يقف المواطن المصري منتظرا “صوتا” لا يشبه صدى الحكومة، ولا يغرق في ضجيج الهتاف، نحن لا نبحث عن أحزاب “كرتونية” تزين المشهد، بل عن عقولٍ تمتلك جسارة النقد وقدسية الولاء في آنٍ واحد، فالميدان الذي يتسع للجميع، لم يعد يطيق “هواة التعيين” ولا “محترفي الصمت”، حيث تتقاطع الآمال مع الحاجة لصوت حقيقي يعبر عن وجع الشارع.

فحينما يصمت الرصاص، لا يبدأ الكلام، بل تبدأ مراجعة الضمائر، في عالمٍ لا يعترف إلا بالأقوياء، لم يعد للكلمات الجوفاء متسع، ولم يعد للمناورات الحزبية الضيقة ثمن، إن السياسة في زمن الانكسار ليست ترفا، بل هي “اشتباك شريف” مع قدر وطن يرفض التهميش كما نرفضه نحن في ذواتنا، حيث يصبح الفعل الحقيقي بديلا عن الشعارات المستهلكة.

في هذه “الأيام العصيبة” التي تمر بها الدولة المصرية، وبينما ترسم الجغرافيا السياسية حولنا خرائط من الرماد، لم يعد الترف السياسي مقبولا، ولم يعد “الرفض لمجرد الرفض” صوتا مسموعا، نحن الآن أمام اختبار الحقيقة، هل نمتلك أحزابا سياسية قادرة على أن تكون “قوة اقتراحية” تحمي كيان الدولة بتقديم رؤى بديلة، أم أننا نعيش في “ماراثون الكراسي” الذي يستهلك طاقة الوطن.

إن “المعارضة الوطنية” ليست صكا يمنح، بل هي مسؤولية جسيمة تقتضي الوقوف في تلك المنطقة الشائكة بين “الحفاظ على الدولة” و”معارضة السلطة”، واليوم، نجد أنفسنا أمام ثلاثة مسارات حزبية تحاول صياغة هذا المفهوم، كل بطريقته، وكل بآلامه وآماله، حيث تتشابك الرؤى وتتصادم أحيانا في سبيل الوصول إلى صيغة تحقق التوازن المطلوب.

وعندما نفتش في دفاتر الحاضر، نجد أن هذا الاختبار الوطني يتجسد في ثلاثة كيانات محورية ترسم ملامح التعددية، فبين “حزب الوفد” الذي يحاول استعادة مجده التليد برئاسة الدكتور السيد البدوي، و”حزب الدستور” الذي يسعى لتقديم بديل تكنوقراطي برئاسة الدكتورة وفاء صبري، نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي متشابك يعكس طموحات متباينة وتحديات عميقة تتطلب قدرة حقيقية على التنظيم والعمل الميداني.

وصولا إلى “حزب الإصلاح والتنمية” الذي يقف على أعتاب مرحلة انتقالية بعد اعتذار مؤسسه محمد أنور السادات، نجد أنفسنا أمام مرآة كاشفة تعكس واقع الأحزاب، فهل تستطيع هذه الكيانات أن تتحول من مجرد مقار إدارية إلى منصات حقيقية لتمكين الكفاءات، أم أنها ستكتفي بدور المشاهد في عرض لا يقبل إلا اللاعبين الأقوياء.

إن القوة الحقيقية لأي كيان معارض في عام 2026 لا تقاس فقط بزخم مقاعده، بل بمدى قدرته على أن يكون “صمام أمان” حقيقي، المعارضة التي يحتاجها الميدان اليوم هي التي توازن بين “قسوة النقد” و”قدسية الوطن”، تلك التي تناور بحكمة الشيوخ لترميم البيت من الداخل، فتنتقد الموازنة بيد، وتحمي حدود الوطن باليد الأخرى، في معادلة دقيقة بين الرفض والبناء.

عراقة التاريخ أمام مقصلة الحداثة؛ فلا يمكن لعاقل أن يتحدث عن معارضة وطنية دون أن يميل برأسه إجلالا لتاريخ “بيت الأمة”، الوفد الذي استعاد “كاريزما” القيادة مؤخرا، يجد نفسه اليوم في مواجهة السؤال الوجودي، هل تكفي “الشرعية التاريخية” وحدها لإنقاذ حزب يمتلك جذورا في كل قرية، أم أن الواقع يفرض أدوات جديدة تتجاوز إرث الماضي؟

إن المعارضة التي يحتاجها الشارع هي “معارضة الاستقرار” التي لا تكتفي بالدفاع عن الدولة في الأزمات، بل تقودها ببرامج اقتصادية تكسر جدار العقم السياسي، الحزب الذي يمتلك منصات الإعلام والقدرة على المناورة يواجه تحديا حقيقيا في “تجديد الدماء”، وترجمة تاريخه إلى “شرعية ميدانية” تلمس أوجاع المواطن البسيط وتعيد الثقة في العمل الحزبي.

مثالية البرامج.. هل تسعفها الواقعية؟، وعلى الجانب الآخر، تبرز حالة “التكنوقراطية السياسية” كصوت للضمير والبديل العلمي، نحن أمام تيار ولد من رحم الطبقة الوسطى، يرفض الشعارات الجوفاء ويتمسك بـ “الحلول البرامجية” في ملفات التعليم والصحة والكرامة الإنسانية، هي معارضة “نظيفة” لا تزال تحتفظ بجاذبيتها لدى الشباب، لكنها تواجه تحديات الانتشار والتأثير.

لكن هذه الحالة تواجه حصارا بين “نخبوية الخطاب” و”محدودية الانتشار الجغرافي”، فهل يمكن لـ “معارضة البدائل” أن تتحول من “حكومة ظل” أكاديمية إلى قوة حقيقية في الشارع والأقاليم، أم ستظل حبيسة النخب، بعيدة عن نبض المواطن البسيط الذي يبحث عن حلول ملموسة وليست تنظيرات فكرية فقط.

نحن أمام روح جديدة تنتقل من “النخبوية الحالمة” إلى “الواقعية العلمية”، روح ترفض أن تظل حبيسة الغرف المغلقة لتضع ملفات العدالة الاجتماعية على طاولة التشريح، إنها “معارضة الضمير” التي تثبت يوما بعد يوم أن “النقاء السياسي” ليس تهمة، بل هو الجواز الوحيد للعبور إلى قلوب الشباب والطبقة الوسطى الباحثين عن أمل حقيقي.

فن الممكن وبناء الجسور؛ أما المسار الثالث، فهو الذي يجيد لغة “الحوار” واقتناص المساحات في الملفات الحقوقية والدولية، هي تلك المعارضة التي تلعب دور “الوسيط” و”صانع المبادرات”، محاولة فتح الأبواب المغلقة بعقل قانوني وواقعية سياسية، لكنها تظل أمام تحدي التحول من الفردية إلى العمل المؤسسي المستدام.

لكن السؤال يظل قائما، هل يستطيع الحزب الذي ارتبط بشخص مؤسسه أن يتحول إلى “مؤسسة” قادرة على الاستمرار بعيدا عن الكاريزما الفردية، أم أن غياب هذا العامل سيؤثر على تماسكه، ويكشف هشاشة البناء التنظيمي، خاصة في ظل بيئة سياسية تتطلب استمرارية وثباتا يتجاوز الأفراد.

إن الحاجة تشتد اليوم لـ “مهندسي الجسور”، تلك المعارضة التي لا تخشى “المأسسة” حتى لو غابت عنها الوجوه التاريخية، فالعمل الحزبي الوطني هو في جوهره مجموعة “مبادرات” تفتح الأبواب المغلقة، وتخلق مسارات للحوار في وقت يظن فيه البعض أن المسارات قد سدت، وأن السياسة لم تعد قادرة على الفعل.

إن مصر في “أيامها العصيبة” لا تحتاج لمهرجانات خطابية، بل تحتاج لـ “بديل تكنوقراطي” يمتلك الجرأة لتقديم دراسات بديلة في التضخم والدين العام، نحتاج للمعارضة التي تخرج من الغرف المغلقة لتشتبك مع هموم المواطن اليومية بشكل قانوني ومنظم، وتعيد تعريف دورها كفاعل حقيقي في المجتمع.

فالرهان الأخير لن يكسب بالبيانات الصحفية، بل بتقديم “الظل البديل” الذي يشعر معه المواطن البسيط أن لديه من يفهم ألم لقمة العيش وعمق التحدي الأمني، إننا لا نبحث عن معارضة تصنع “تريند” لساعات، بل نبحث عن معارضة تصنع “وطنا” لسنوات، معارضة تدرك قيمة الاستمرار لا الظهور المؤقت.

وتبقى السياسة هي فن “التوقيت” قبل أي شيء آخر، فمن خسر “عقول” أبنائه المخلصين تحت وطأة التهميش، لن يربح “قلوب” الجماهير بشعارات الماضي، إننا نكتب لنبني، ونعارض لتقوى الدولة، ونرحل حينما يصبح البقاء شاهدا على اغتيال الحلم بأيدي الهواة، فالوطن أكبر من الجميع.

الأحزاب الثلاثة اليوم تقف أمام مرآة التاريخ، فإما أن تتكامل أدوارها بين العراقة، والمثالية، والواقعية لصناعة جبهة داخلية صلبة تحمي حدودنا المشتعلة، وإما أن تظل “جزرا منعزلة” يغرقها طوفان التهميش، حيث لا مكان للكيانات الضعيفة في لحظات التحول الكبرى.

فلقد انتهى زمن “المعارضة الموسمية”، وبدأ زمن “الاشتباك الوجودي”، الأحزاب الثلاثة اليوم تقف أمام اختبار “الشرعية الميدانية”، فإما أن تتحول إلى منصات لتمكين الكفاءات والعقول، وإما أن تظل مجرد أسماء في سجلات الأرشيف، إن المستقبل لا ينتظر المترددين ولا يمنح فرصا إضافية.

إنني أربأ بكل صاحب قلم وحلم أن يكون “عضوا ورقيا” في كيان يخشى التغيير، فالمستقبل لا ينتظر المترددين، والتاريخ لا يرحم من أضاعوا بوصلة الشارع في زحام الولاءات الضيقة، سلام على وطنٍ لا يضيع فيه حق، ولا يهان فيه مفكر، حيث تكون الكلمة الحرة أساس البناء.

عاش الوطن بضمير من يعارضونه حبا، لا من يتبعونه مصلحة.

يوسف عبد اللطيف يكتب: مقصلة “الأيام العصيبة”.. هل تحمينا “أحزاب البرامج” أم تغرقنا “ماراثونات الكراسي”؟

Exit mobile version