كتبت: ميادة فايق
في ساعات الفجر الأولى، بينما لا تزال الطرق الزراعية غارقة في الظلام، تبدأ رحلة يومية محفوفة بالمخاطر لعشرات النساء اللاتي يتكدسن داخل سيارات نصف نقل متهالكة، في طريقهن إلى مواقع عمل تفتقر لأبسط معايير السلامة، يحملن معهن “يومية” بالكاد تكفي لسد احتياجات الحياة، بين أمل في لقمة العيش وخوف دائم من حوادث الطريق أو مخاطر العمل.
هذا المشهد يتكرر يوميًا لآلاف “عاملات اليومية” في مصر، كاشفًا عن واقع هش تعيشه شريحة واسعة من النساء داخل الاقتصاد غير الرسمي، حيث تغيب الحماية القانونية وتنعدم أبسط ضمانات الأمان.
تعمل نسبة كبيرة من هؤلاء النساء في قطاعات الزراعة، ومصانع التعبئة، والورش الصغيرة، دون عقود عمل أو تسجيل في منظومتي التأمينات الاجتماعية والصحية، ما يجعلهن خارج مظلة الحماية، ويعرضهن لمخاطر مضاعفة دون أي تعويض أو دعم في حال الإصابة أو الوفاة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت مصر سلسلة من الحوادث المأساوية التي سلطت الضوء على حجم الأزمة، من بينها حادث “ميكروباص الموت” في المنوفية عام 2025، والذي أسفر عن مصرع 19 فتاة وسيدة، إلى جانب حادث مدينة السادات الذي أودى بحياة 18 فتاة من العاملات في مزارع العنب، فضلاً عن سقوط ميكروباص في النيل بين الجيزة والمنوفية، ما أدى إلى وفاة 10 عاملات، وأخيرًا حريق مصنع الأحذية في الزاوية الحمراء الذي حصد أرواح 7 فتيات في مقتبل العمر.
جرس إنذار
في هذا السياق، تؤكد نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، أن هذه الوقائع تمثل “جرس إنذار حقيقي”، مشيرة إلى أن آلاف النساء يعملن في ظروف قاسية مقابل أجور زهيدة، في ظل غياب شبه كامل للرعاية الصحية أو التأمينات.
وتضيف أن تجاهل اشتراطات السلامة المهنية، خاصة في المنشآت غير المرخصة، “يرقى إلى مستوى الخطر الجسيم”، مطالبة بتكثيف الحملات التفتيشية وتقنين أوضاع هذه المنشآت لضمان الحد الأدنى من الأمان.
غياب الحماية الشخصية
من جانبها، تشير الدكتورة هالة عثمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة “عدالة ومساندة”، إلى أن أغلب عاملات اليومية لا يحصلن على أي تدريب في مجال السلامة المهنية، كما تغيب أدوات الحماية الشخصية، أو لا يتم استخدامها بالشكل الصحيح.
وتوضح عثمان أن معاناة هؤلاء النساء لا تقتصر على المخاطر الجسدية، بل تمتد إلى سلسلة من الانتهاكات المتكررة، أبرزها تدني الأجور، وتأخر صرف المستحقات، والعمل لساعات طويلة دون تنظيم، وغياب التأمين الصحي والاجتماعي، فضلًا عن صعوبة تقديم الشكاوى خوفًا من فقدان مصدر الرزق.
الرقابة الفعلية
وتؤكد عثمان أن العاملات في القطاع غير الرسمي، خاصة عاملات المنازل، يمثلن الفئة الأكثر هشاشة، في ظل غياب آليات قانونية فعالة لحمايتهن، رغم وجود نصوص واضحة في قانون العمل المصري بشأن السلامة والصحة المهنية. إلا أن التحدي الأكبر، بحسب قولها، يكمن في ضعف تطبيق هذه القوانين داخل اقتصاد لا يخضع لرقابة فعلية.
ولفتت إلى أن إدراج مواد لمكافحة العنف والتحرش في بيئة العمل يعد خطوة إيجابية، لكنه يظل غير كافٍ دون توفير آليات آمنة وسرية للإبلاغ، تضمن حماية النساء من الانتقام أو الفصل التعسفي.
تهديد مباشر
وفي السياق ذاته، تؤكد مي صالح، مديرة برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية بمؤسسة المرأة الجديدة، أن السلامة المهنية “حق دستوري أصيل”، وليس خيارًا يمكن تجاهله.
وتحذر صالح من أن استمرار تشغيل النساء في بيئات غير آمنة يمثل انتهاكًا صارخًا لمعايير العمل اللائق، وإخلالًا بالتزامات الدولة تجاه حماية العمال، فضلًا عن كونه تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف النساء.
تشديد الرقابة
وتدعو مي صالح إلى تبني حزمة من الإجراءات العاجلة، تشمل دمج عاملات اليومية في منظومة التأمينات الاجتماعية، وتشديد الرقابة على وسائل نقل العمالة، وتكثيف التفتيش على مواقع العمل غير الرسمية، إلى جانب إنشاء آليات شكاوى آمنة وسهلة الوصول.
صرخة نساء “التراحيل” بحثاً عن حماية قانونية وأجور عادلة..متى يبتسم القانون لعاملات اليومية؟

