كل عام ومصر – قيادةً وشعبًا – ومن يحبها بخير وسلام وطمأنينة؛ كل عام والكادحون بفكرهم وسواعدهم في رفعة قدّرها الله لهم؛ قال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ) [صحيح البخاري]؛ كل عام والإنسانية بأسرها لا تعدم خيرًا تتلاقى في وتتعاون عليه – وهو في هذا المقام اليوم العالمي للعمال (أو عيد العمال) الذي يحين في الأول من مايو كل عام.
وبالنظر في شرعنا الحنيف نجد أن مجموع ما أراد الله من الإنسان هو إيمان، وتزكية، وعمران؛ ومرجعنا في ذلك الوحيان الشريفان، فهذا ربنا سبحانه يقول: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، فوجب لمن أنشأ لنا الأكوان قبل خلقنا ثم أنشأنا فيها مسخرةً لنا أن نؤمن به ونعبده حق عبادته، ووجب علينا شكر هذه النعم بالتزكية الباعثة على كل خير في معاملة الخلق وجميع ما خلق الله، مع حُسن استغلال الموارد وإدارتها، والإيمان والتزكية برهانهما حسن المعاملة والاجتهاد في العمران.
من هنا نعلم أن العمران ثلث الدين، وأن العمران فريضة إسلامية، وهذا هو شعارنا الذي اعتمدناه في المؤتمر السنوي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف هذا العام، وجعلنا عنوانه “المهن في الإسلام: أخلاقياتها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي”.
وبهذا صدّرنا “وثيقة القاهرة” التي خرجت من رحم التوافق العلمي العالمي لهذا المؤتمر الميمون، تحت عنوان: “وثيقة القاهرة: المهن في الإسلام وفلسفة العمران”، مؤكدين فيها عالمية هذه الدعوة، وساعين منها إلى اعتماد الوثيقة على أعلى مستويات العمل العالمي؛ وما ذلك إلا سبيل لإحياء فلسفة العمران وفريضته في أفهام الناس وفي سلوكهم، حتى يصير خُلقًا لصيقًا بالسلوك، وسلوكًا لصيقًا بالتنمية، وتنميةً قائمة على الإيمان بالخير ونشره في الدنيا بأسرها.
إن هذه الفهم المستنير لقيمة العمل في الإسلام يجعلنا أشد ما نكون حرصًا على ثلث الدين – الذي هو العمران، والعمران هذا منسحب على كل عمل حلال مفيد للفرد والمجتمع والوطن والعالم، وهو السبيل لإثبات حضورنا بين أعظم المساهمين في الحضارة الإنسانية، فهذا واجب الوقت وكل وقت.
وقيمة كل إنسان في ما يحسنه، والعلم سبيل العمل؛ فهذا الفهم وتجديده في النفوس والعقول أساسُ الشكر لكل من أجاد وأتقن، وأساس التقدير والإكبار لمن أحب وأحسن، وأساسُ الدعوة لبلوغ أرقى مراتب التفنن في العمل وهي الإحسان، وهي أساس الدعاء لمن أراد التقرب من الله بحسن العمل والشكر على النعمة؛ فذلك مسرى الرضا ومعراج الزيادة بالنماء
كل عام وعمال مصر في أعلى مراقي الخير والإحسان.
وزير الأوقاف يكتب لجريدة العمال.. رسالتي لعمال مصر : العمران ثلث الدين

