Site icon بوابة العمال

التداعيات الإقليمية والمستقبل..انطلاق مؤتمر الشرق الأوسط بجامعة عين شمس

كتب فتحي حسين

انطلقت صباح اليوم ، فعاليات المؤتمر العلمي الدولي السنوي لمركز بحوث الشرق الأوسط والدراسات المستقبلية، والذي عُقد تحت عنوان “التداعيات الإقليمية في عالم متغير: مقاربات تحليلية ورؤى استشرافية”.

شهد المؤتمر، الذي أقيم بقاعة مركز الشبكات وتكنولوجيا المعلومات، حضورًا لافتًا من نخبة العلماء والمفكرين والباحثين المتخصصين في الشؤون السياسية والاستراتيجية وذلك بحضور السفير محمد العرابي وزير الخارجية الأسبق
وعضو مجلس الشيوخ وعضو مجلس إدارة المركز
والأستاذ الدكتور محمد شوقي العناني، أستاذ العلوم السياسة والقانون الدولي ورئيس الجمعية المصرية للقانون الدولي.

خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، أكد السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، أن المشهد الدولي الراهن يعاني من ندرة حادة في القيادات التاريخية القادرة على كبح جماح الأزمات، مشيرًا إلى أن العالم دخل فعليًا عصر “قانون القوة” الذي بات يطغى على قوة القانون الدولي، وسط حالة من الوهن والضعف التي تضرب المؤسسات الدولية والإقليمية، مما أفقدها القدرة على القيام بدورها في حفظ التوازن والسلم العالمي.

وأوضح العرابي، في تشخيصه للصراعات المعاصرة، أنه لم يعد هناك مكان لمفهوم “النصر المطلق” أو “الهزيمة الكاملة”، بل أصبحت النزاعات تنتهي بحالات استنزاف متبادل، مؤكداً أن المخاطر الراهنة —سواء كانت أوبئة أو حروبًا أو أزمات اقتصادية— باتت عابرة للحدود بطبيعتها، ولا يمكن لأي دولة مهما بلغت قوتها أن تنعزل عن تداعياتها أو تواجهها بشكل منفرد.

وعلى الصعيد الإقليمي، وصف وزير الخارجية الأسبق مستوى المتغيرات في المنطقة بأنه “حاد جداً” وغير مسبوق، لافتًا إلى أن الإقليم يعاد تشكيله وسط تداخلات معقدة. وشدد العرابي، على أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية “معالجة الإقليم” وإعادة تكوينه عقب انتهاء الأحداث الجارية، وهو ما يتطلب رؤية استراتيجية تهدف إلى ترميم مفهوم الدولة الوطنية وسد الفراغات التي تستغلها القوى المزعزعة للاستقرار.

واختتم السفير العرابي، رؤيته بضرورة صياغة مقاربة جديدة للتعامل مع ما بعد الأزمات الراهنة، ترتكز على تحويل الصراع السياسي إلى تعاون تنموي واقتصادي، معتبرًا أن استعادة التوازن الإقليمي تتوقف على قدرة دول المنطقة على بناء منظومة أمنية ذاتية تمنع التدخلات الخارجية، وتواجه التحديات المشتركة بروح المسؤولية الجماعية بعيدًا عن سياسات المحاور.

أكدت الأستاذة الدكتورة غادة فاروق، نائب رئيس الجامعة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة ورئيس مجلس إدارة المركز، أن انعقاد المؤتمر تحت عنوان “التداعيات الإقليمية في عالم متغير” جاء استجابةً للتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويين الإقليمي والدولي، وتداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية والرقمية.

واشارت سيادتها في كلمتها على محورية دور جامعة عين شمس كشريك فاعل في قراءة الواقع وتحليله، مشيرةً إلى أن الجامعة تسعى من خلال هذا المنبر الثقافي إلى بناء حوار علمي جاد يربط بين التحليل النظري والتطبيق العملي لدعم صانعي القرار برؤى مستنيرة. كما استعرضت أهمية المحاور التي تناولها البرنامج العلمي، لاسيما المتعلقة بالجغرافيا السياسية للسيادة، وأمن الممرات الدولية، وتأثير الأزمات العالمية على السيادة الاقتصادية.

ونوهت سيادتها بضرورة التصدي لتحديات الأمن القومي في العصر الرقمي، موضحةً أن التهديدات لم تعد تقليدية بل امتدت لتشمل الحروب المعلوماتية والتلاعب بالوعي العام عبر الوسائل الرقمية والإعلامية. واختتمت كلمتها بالإشارة إلى المسؤولية المضاعفة التي تقع على عاتق المؤسسات الأكاديمية في تقديم بدائل ورؤى استراتيجية تساهم في تعزيز استقرار المجتمعات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات المستمرة.

أكد الأستاذ الدكتور محمد شوقي العناني، أستاذ القانون الدولي ورئيس الجمعية المصرية للقانون الدولي، أن المنطقة العربية تمر حاليًا بمنعطف تاريخي هو الأشد وطأة في تاريخها الحديث. وشدد العناني، خلال كلمته على أن التمسك بقواعد القانون الدولي التي توافق عليها العالم ليس مجرد خيار سياسي، بل هو الوسيلة الفضلى والوحيدة لضمان بقاء وجودنا وحماية سيادة الدول أمام تداعيات الصراعات التي سيعاني منها الإقليم لعدة عقود قادمة على الأصعدة القانونية والاستراتيجية والاقتصادية.

وطالب رئيس الجمعية المصرية للقانون الدولي بضرورة أن تتبنى المؤسسات المعنية توصيات حاسمة تعيد التأكيد على الأوضاع القانونية للمضايق والمعابر والممرات الملاحية الدولية،

وأشار إلى أهمية مراجعة القوانين المنظمة للمرور في المضايق الدقيقة، بما يضمن حقوق الدول المشاطئة ويمنع محاولات العبث بالأمن الملاحي العالمي تحت وطأة الصراعات الإقليمية.

وفي رؤية استشرافية لمواجهة مخاطر إغلاق الممرات المائية، دعا العناني، إلى ضرورة إيجاد وتعزيز بدائل استراتيجية للمضايق البحرية، وفي مقدمتها تفعيل مشروعات النقل البري والربط السككي. وأوضح أن تنويع مسارات التجارة العالمية عبر شبكات نقل برية عابرة للحدود سيساهم في تقليل الضغوط الجيوسياسية على الممرات المائية الحيوية، ويخلق مرونة اقتصادية تضمن تدفق السلع في أوقات الأزمات الحادة.

من جانبه، أشار الأستاذ الدكتور حاتم العبد، مدير المركز والمقرر العلمي للمؤتمر، إلى أن انعقاد هذا الحدث يأتي في توقيت استثنائي يتسم بسيولة المشهد الإقليمي وتعقيداته الجيوسياسية ولنتحول من مجرد قراءه الحاضر لاستشراف وصياغة المستقبل.

وصرح سيادته بأن المركز يفتح آفاقه للعلماء ليس فقط لرصد التداعيات الراهنة، بل للانتقال إلى المشاركة الفاعلة في استشراف وصناعة المستقبل عبر توظيف أدوات الدراسات المستقبلية في تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية، مشدداً على ضرورة مواجهة التهديدات السيبرانية وحروب المعلومات التي باتت تمس الأمن القومي بشكل مباشر.

شهدت الجلسة الأولى للمؤتمر، والتي عُقدت تحت عنوان “الجغرافيا السياسية للسيادة الممرات الدولية والسياسات الاقتصادية في عالم متغير”، نقاشات ثرية ترأسها الأستاذ الدكتور محمد سالمان، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة.استعرض خلالها الدكتور محمد عبد الفتاح الباروجي، الأهمية الاستراتيجية لمصر وسلطنة عمان كممرات رقمية آمنة في ظل التحديات التي تواجه مضيق هرمز وباب المندب.

وفي سياق متصل، ناقشت الجلسة الأولى أثر الأزمات العالمية على السيادة الاقتصادية للدولة المصرية من خلال ورقة بحثية قدمها الدكتور مؤمن صلاح محمد. بينما تطرق الدكتور البشير محمدين، إلى المسئولية الجنائية لانتهاكات الشركات العسكرية والخاصة في النزاعات المسلحة. واختتمت الجلسة ببحث للدكتور محمد أحمد زكريا، حول المسؤولية الدولية وجبر الضرر الناتج عن تقاعس الدول المتضررة في ضوء التطورات القانونية الدولية.

أما الجلسة الثانية، فقد ركزت على ملف “الأمن القومي في العصر الرقمي: حوكمة المؤسسات ومواجهة التهديدات الهجين”، وترأسها الدكتور حاتم العبد مدير المركز . استهلت الجلسة الباحثة آمنة علي أحمد تيام، بالحديث عن انعكاسات التحول الرقمي على الأداء المالي للبنوك. ثم تناولت الدكتورة غادة أحمد عبد الموجود، خطر الشائعات والحروب المعلوماتية وتأثيرها المباشر على الأمن القومي.

وفي ختام المداولات العلمية، استعرضت الدكتورة ندى عمران، الأستاذ المساعد بجامعة النهرين، دور الإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام. كما قدم الدكتور محمد فريد المتولي، مدرس الجغرافيا البشرية بجامعة عين شمس، رؤية تحليلية حول جغرافية الهجرة القسرية والنزوح في الشرق الأوسط خلال القرن الحادي والعشرين، مستعرضًا تداعياتها الحالية وسيناريوهات المستقبل للأمن الإقليمي.

انتهى المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات الهامة، كان أبرزها ضرورة تعزيز أدوات الاستشراف الاستراتيجي في المؤسسات السيادية، وتطوير أطر الحوكمة لمواجهة التهديدات الهجينة، مع التأكيد على الدور المحوري للممرات الرقمية الآمنة في دعم الاقتصاد الوطني.

Exit mobile version