Site icon بوابة العمال

أحمد البيلي يكتب :زمن الترندات

نعيش اليوم في زمن الترندات حيث أصبحت الكلمة العابرة تتحول إلى قضية رأي عام في دقائق ، المنصات الرقمية صارت هي المتحكم الأول في مزاج الناس وفي تحديد ما يجب أن نتحدث عنه.

لم يعد المعيار هو قيمة الفكرة أو عمق المحتوى بل سرعة الانتشار وعدد المشاهدات .

الترند يصنع نجوما في ساعات ويهدم سمعة أشخاص في لحظات دون تحقيق أو تثبت، الكل يلهث خلف الهاشتاج بحثا عن الظهور حتى لو كان الثمن هو الحقيقة .

المحتوى الجيد يتوه وسط ضجيج المقاطع السريعة والعناوين الصادمة التي لا تحمل مضمونا، صرنا أسرى لخوارزميات لا تعرف الفرق بين المهم والتافه بين المفيد والضار ، الإعلام التقليدي يحاول مجاراة إيقاع الترند فيفقد بوصلته وينسى دوره الحقيقي .

المواطن البسيط بات يشعر أن كل شيء مؤقت وأن ما يثار اليوم ينسى غدا بترند جديد.

الخطر الحقيقي ليس في وجود الترند بل في أن يصبح هو المصدر الوحيد للمعرفة والحكم ، نحتاج إلى وقفة مع النفس لنعيد للعقل مكانته وللفكرة العميقة احترامها .

الترند وسيلة وليس غاية والوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة طوفان التفاهة .

المسؤولية اليوم على الجميع صانع المحتوى والمتلقي والمؤسسات الإعلامية .،أن نختار ما نشاركه وأن نسأل قبل أن ننشر وأن نبحث عن القيمة وسط الزحام .

الترند أصبح سلطة رابعة غير منتخبة تفرض أجندتها على المجتمعات بلا رقابة، الخوف الأكبر أن تتحول العقول إلى ساحات مفتوحة لكل فكرة طائشة لمجرد أنها رائجة.

المدارس والجامعات فقدت جزءا كبيرا من تأثيرها أمام قوة المؤثرين وأصحاب الترند، القيم تتغير بسرعة الضوء والمبادئ تصبح وجهات نظر قابلة للحذف مع أول هاشتاج معارض .

الشباب يبحث عن القدوة فيجدها في مقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية بلا رسالة، الاقتصاد نفسه تأثر فصارت الشركات تدفع الملايين لصناعة ترند لا لصناعة منتج جيد.

السياسة دخلت اللعبة فأصبح الخطاب الرسمي يصاغ بلغة الترند حتى يصل للناس.

الفن تراجع أمام المحتوى السريع والصورة الثابتة هزمتها الريلز المتحركة .

حتى العلاقات الإنسانية تغيرت فالحب والخصام والصلح كلها صارت محتوى قابل للنشر .

نحن أمام جيل كامل تربى على أن الشهرة أسهل من العلم وأن الانتشار أهم من الأثر.

الحل لا يكون بمحاربة الترند لأنه واقع لكن بترشيده وتوجيهه نحو النافع .

على المؤسسات التعليمية أن تعلم النشء كيف يفكر لا ماذا يقلد، على الإعلام أن يعود لدوره في قيادة الرأي لا أن يلهث خلف ما يريده الرأي .

على الأسرة أن تستعيد دورها في بناء الوعي قبل أن يبتلع الترند أبناءها ، المعركة الحقيقية هي معركة الوعي ومن يكسبها يملك المستقبل.

الترند سيبقى لكن البقاء للأصلح والأعمق والأصدق، لنصنع ترندات تبني ولا تهدم ترفع ولا تسطح تضيء ولا تحرق.

أحمد البيلي يكتب :زمن الترندات

Exit mobile version