قال تعالى “أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون” (المجادلة: 22):
سبحان الله خالق كل شيء ، خلق الخلق واصطفى من بينهم حزباً له ، شملهم برحمته ، واختصهم بعنايته ، ورفعهم لولايته ، وضمن لهم الغلبة والنجاح ، وبشرهم بالتأييد والفلاح ، لا يخلو منهم عصر ، ولا يُحرم منهم مصر.
والانضمام إلى ذلك الحزب له طريقان يؤديان إليه:
الطريق الأول: وهو الذي يسلكه أكثر الناس ، وهو طريق العبادة والاجتهاد فيها ، والذكر والتفاني فيه ، إلى غير ذلك من أعمال هي بالجوارح ألصق ، وبالقوالب ألحق ، وهذا طريق العبّاد الذين يسيرون إلى الله بقوالبهم قبل قلوبهم.
أما الطريق الثاني: فهو للخاصة ، وهو طريق المحبة والعيش بها ، وهو طريق السير فيه يكون بالأفئدة والقلوب لا بالقوالب والأرجل ، وهو طريق المحبين.
وفي هذين الطريقين الموصلين إلى ذلك الحزب الفالح يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري: “قوم أقامهم الحق لخدمته ، وقوم اختصهم بمحبته ، (كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً)”.
فأصحاب الفريق الأول: هم السائرون ، والآخرون: هم الواصلون ، وشتان بين السائر والواصل ، وبين أصحاب الخدمة وأصحاب المحبة ، على الرغم أنهم جميعاً ينتمون للحزب نفسه.
إن أصحاب ذلك الحزب أفردوا الله بودّهم ، واختصوه بمحبتهم ، فما شغلهم عنه والد ولا ولد ، ولا صرفهم عنه حرث ولا مال ، فهم معه ومع من معه ، يوادّون أهل ودّه ، ويحادّون أهل بغضه ، فبحبه يحبون ، وببغضه يبغضون ، وفي سبيله رضاه بأنفسهم يجودون.
لا يصلون إلا من وصله ، ولا يسالمون إلا من سالمه ، القريب والبعيد عندهم في هذا سواء ، فالقريب قريب منهم بقربه منه ، والبعيد بعيد عنهم لبعده عنه ، الأخوة بينهم قائمة ، والمودة لديهم دائمة ، لا يعرفون حبّاً إلا فيه ، ولا يبغضون إلا له ، فقلوبهم به معلقة ، وعقولهم به مشغولة ، إنهم حزبه وأهله وخاصته.
عبدوه لا من أجل جنة ولا نار ، إنما ساقهم إليه الحب ، ودلهم عليه الوجد ، وقادهم إلى حضرته العشق ، فاستغنوا به عن كل ما سواه ، ولم يطلبوا سوى رضاه ، أولئك حقاً حزب الله.
نظر إلى قلوبهم فلم يجد فيها نصيباً لأحد غيره ، عندئذٍ كتب فيها الإيمان ، وحببه إليها وزينه لها ، وكرّه إليها الكفر والفسوق والعصيان ، ملأها بالرضا بعد أن رضي عنها فرضيت ، وبشرها بالجنة بعد أن عرّفها لها فاطمأنت.
“أولئك حزب الله” أولئك الذين تولوه ورسوله والمؤمنين من عباده ، وأقاموا على طاعته ، وعاشوا وفق منهجه ، وماتوا على ملته ، صدقوه فصدقهم ، ونصروه فنصرهم ، وعظموه فأعزهم ، وحفظوه فحفظهم ، ألا إنهم الغالبون ، ألا إنهم المفلحون ، فغلبة في الدنيا وفلاح ، وفوز في الآخرة ونجاح.
جعلنا الله وإياكم من حزبه وأهله وخاصته بمنه وجوده وكرمه ورحمته.
هذا وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. حسني ابوحبيب يكتب : رحلة القلوب ومقامات القرب الإلهي

