“وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ” [النمل: 19، الأحقاف: 15]
العارفون من أهل الله تعالى لا يعنيهم العمل بقدر ما يعنيهم من يكون له العمل، ولا يهتمون بالأعمال اهتمامهم بمن يُؤدّنها له، ومن ثَمَّ فهم لا يقفون مع العمل ولا عنده، إنما قلوبهم معلّقة بربّ العمل، ليقينهم بأنه لولاه _سبحانه_ ما كان عمل، لذا فإن غايتهم رضاه عنهم وعن أعمالهم، وإلا فما يغني العمل إذا لم يرضه من عُمِلَ له العمل.
والقول الكريم الذي استفتحنا به مقالنا هذا ذُكر في موضعين من كتاب الله تعالى، أولهما: جاء متضمنًا دعاء نبي رسول، وثانيهما: مشتملًا على دعاء عبد مقبول، وقد اتفق الدعاءان على أن يكون العمل الصالح مقرونًا بالرضا من واهبه، وما ذاك إلا لأن العمل وإن كان صالحًا فلا خير فيه ولا فائدة منه إلا إذا رضيه من كان له، فإذا لم يرضه من عُمل له ورفضه، تجرّد من صلاحه، بل إن السيئة قد تكون أفضل منه، وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه أن هناك حسنات تُمحق وتتحول إلى هباء، “وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً” [الفرقان: 23]، كما أن هناك سيئات تُبدّل حسنات، “إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ” [الفرقان: 70].
لذا ينبغي للمؤمن ألّا ينظر إلى صور الطاعات بل عليه أن ينظر إلى حقائقها، فقد يقع عمل ما على صورة عمل صالح وعلى هيئة طاعة غير أن الله تعالى لا يرضاه، بله أن يقبله من صاحبه، وما ذاك إلا لأن حقيقته تخالف صورته وثمرته عكس ما كان له وما شرع لأجله، كمن يصلى نفاقًا، أو يتصدق رياءً، أو يجاهد حميّةً، إلى غير ذلك، فإن ظاهر عمله صالح غير أن الله تعالى لا يرضاه، لأن حقيقته ليست له، ولا قُصد به وجهه، ومن ثَمّ فإنه ينبغي لنا أن ننتبه لأمر في غاية الأهمية، ألا وهو إن الطاعات والأعمال الصالحات ليست مطلوبة من أجل صورها، ولا مشروعة لأجل ذواتها، ولا مقصودة لهيئاتها، بل مطلوبة ومشروعة ومقصودة لحقائقها ولما اشتملت عليه من رضًا ممن أمر بها، وإلا فالمعصية خير منها، ولله در سيدي أحمد بن عطاء الله إذ يقول في إحدى حكمه: “رب معصية أورثت ذلًّا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا”.
ورضي عن سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه حيث كان من دعائه في حزبه الكبير: “وَاجْعَلْ سَيِّئَاتِنَا سَيِّئَاتِ مَنْ أحْبَبْتَ، وَلاَ تَجْعَلْ حَسَنَاتِنَا حَسَنَاتِ مَنْ أَبْغَضْتَ، فَالإحْسَانُ لاَ يَنفَعُ مَعَ الْبُغْضِ مِنكَ، وَالإسَاءَةُ لاَ تَضُرُّ مَعَ الْحُبِّ مِنكَ”.
فالأهم من العمل أن يرضاه من كان لأجله العمل، لذا كان همُّ العارفين من رسل الله تعالى وأوليائه رضى مولاهم عن اعمالهم، فهذا سيدنا موسى عليه وعلى نبينا السلام يُسرع إلى لقاء ربه ويترك نقباء بني إسرائيل خلفه، وما ذاك إلا ليرضى عنه ربُّه، لعلمه أن رضاه هو الغاية، “وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى * قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى” [طه: 83 ، 84].
ما أريد قوله: إن غاية الطاعات ومقصد الصالحات إنما هو الحصول على رضى الله تعالى، فإن حصل الرضا فهو منتهى الأمل، وإلا فلا فائدة من العمل، إذ العمل ما هو إلا وسيلة لنيل رضا من كان له، وبلوغ محبّة من قُدّم له، وحصول القرب ممن سُعِيَ به إليه، فإن لم يحصل المقصود، وتتحقق الغاية، فلن يجني صاحب العمل من عمله إلا الحسرة، ولم يحصل له من سعيه إلا الندامة.
أقول هذا الكلام لأنه أصبح كثير من الناس يهتمون بصور العبادات ويغفلون عن حقائقها، يتقنون رسومها ولا يتحلون بأخلاقها وآدابها، فقد ترى الرجل يصلى غير أنه لا ينفك عن الكذب، وربما تراه يحج ولا يعف عن الحرام، وتراه يتصدق وهو آكل للسحت، ويزكي ويأكل أموال الناس بالباطل، يفعلون ذلك لتوهمهم أن أعمالهم تلك تغني عنهم يوم القيامه، نقول لهؤلاء ما قاله الله تعالى: “فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ” [الصافات: 87 ]، كما نقول لهم احذروا أن يقال لكم يوم القيامة: “وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ” [فصلت: 23].
لذا كان اهتمام سلفنا الصالح _رضوان الله تعالى عليهم_ بقبول العمل أكثر من اهتمامهم بالعمل نفسه،
وقد صحّ عن سيدنا الإمام علي _رضي الله عنه_ قوله: “كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل”؛ وما ذاك إلا لأن قيمة العمل في قبوله وليس في مجرد أدائه، فما فائدة العمل إن رُفض _والعياذ بالله_ ولم يُقبل من الله تعالى، فقد يفتح الله تعالى لعبده أبوابًا من الطاعات ولم يفتح له بابًا من القبول، وقد يقضي عليه بالذنب فيكون سببًا في الوصول، كما يقول سيدى ابن عطاء الله السكندري.
يقول المحاسبي رحمه الله تعالى: إن مراد الله تعالى من عباده قلوبهم، فإذا تكبّر العالم أو العابد بعلمه وعبادته، وتواضع الجاهل والعاصي وذلّ هيبة لله تعالى وخوفًا منه فهو أطوع لله تعالى من العالم والعابد.
نقول هذا حتى لا يغترّ طائع بطاعته، ولا يقنط عاصٍ بمعصيته من سعة رحمة ربّه، وليكن همنا جميعًا رضا ربنا عنا، وأن تكون غايتنا رضاه وحده.
نسأل الله تعالى أن يتجلى علينا بالرضا، وان يمنّ علينا بالقبول، وأن يجعلنا ممن رضي عنهم ورضوا عنه.
هذا، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. حسني ابوحبيب يكتب :رُسوم العبادة وحقائق القبول

