Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: خريطة الوجع وتجارة الألم

من السلوم إلى حلايب، هناك خريطة أخرى لمصر لا تظهر في التقارير الرسمية، خريطة “وجع” ممتدة، حيث تباع الحياة بالتقسيط، ويساق المرضى كخراف إلى مذبح الإهمال، إنها ليست أزمة صحية عارضة، بل “مذبحة صامتة” تدار خلف جدران مكتوب عليها “خدمة عامة”، بينما تشيد فوق أنقاضها قصور للعلاج الخاص تقتات على دم الغلابة، إننا أمام هندسة دقيقة ل “تسليع الألم”.

فبينما يتنفس الوطن طموحات الغد، يختنق مواطن على بوابة مستشفى يرفض استقباله، لا لشيء إلا لأنه لا يملك ثمن “تذكرة الدخول” لغرفة العناية.

في مصر اليوم، أصبح المرض “تهمة” يحاسب عليها الفقير، وباتت فاتورة العلاج سكينا يغرس في جسد من لا يملك، لم نعد نخشى الموت بقدر ما نخشى “المرمطة” في دهاليز منظومة تحولت فيها أوجاع الناس إلى سلع تباع وتشترى في بورصة لا تعترف إلا بلغة المال.

لا يمكن قراءة المشهد الصحي في مصر اليوم كأزمة عابرة أو نقص في الإمكانات فحسب، بل نحن أمام “هندسة معقدة” من الفشل الإداري تتقاطع فيها مصالح غير مشروعة، لتجعل من “المرض” عبئا ينوء بحمله المواطن من أقصى الحدود الغربية في السلوم، وصولا إلى غياهب النجع في أسيوط وتخوم شلاتين.

إن ما يحدث ليس مجرد تراجع في جودة الخدمة، بل هو “تآكل للحق الإنساني” في الرعاية، تحت وطأة ما يمكن تسميته باقتصاديات الوجع.

حين ترفع لافتة “وحدة صحية” على مبنى لا يملك من مقومات الطب إلا اسمه، فإننا أمام إهدار جسيم للموارد العامة، هذه المباني التي تحولت إلى أطلال صامتة في القرى والنجوع ليست مجرد جدران مهجورة، بل هي شهادة وفاة للخدمة العامة في أطراف الدولة، إن اضطرار المواطن البسيط لقطع مئات الكيلومترات بحثا عن حقنة أو إسعاف أولي يعكس خللا بنيويا في توزيع العدالة المكانية، وهو خلل يستوجب مراجعة جذرية لسياسات التنمية المحلية التي تكتفي ب”الواجهة” وتتجاهل “الجوهر”.

لا يمكن وصف ما يجري في سوق الدواء إلا بأنه “إدارة للأزمات لتحقيق الربح الفاحش”، اختفاء أدوية حيوية، كالأنسولين وأدوية الأورام، فجأة من الصيدليات الرسمية، لتعود للظهور في المسالك الموازية بأسعار خيالية، هو مؤشر خطير على غياب الرقابة الفعالة، هذا “التعطيش المتعمد” يضع الدولة والمواطن معا في مواجهة “حيتان” لا يهمها سوى تضخم الأرباح على حساب استقرار المجتمع.

تظل “رحلة البحث عن سرير عناية مركزة” هي الوجه الأكثر قتامة في هذه المنظومة، إن تحول المريض من “إنسان يطلب الشفاء” إلى “عميل يساوم على سريره” بمبالغ تعجيزية في القطاع الخاص، هو مؤشر على غياب الضبط التنظيمي، عندما يجد المريض نفسه محاصرا بين ضعف الخدمة الحكومية وجشع المستشفيات الخاصة التي تفرض “تأمينا” يفوق القدرة الشرائية لأي أسرة متوسطة.

فنحن لا نتحدث هنا عن سوق تنافسي، بل عن “تجارة بالبشر” مغلفة بقوانين الاستثمار، وبعيدا عن الترميم، نحو التأسيس، فإن الحل لا يكمن في المزيد من الوعود الإنشائية، بل في إعادة هيكلة الفلسفة الصحية للدولة عبر خطوات إجرائية حاسمة، الرقابة الرقمية اللحظية، إطلاق نظام (Dashboard) مركزي شفاف، يربط كافة المستشفيات، الحكومية والخاصة، بشبكة واحدة توضح توافر الأسرة والأدوية في الوقت الفعلي، الشفافية هي العدو الأول للفساد.

واستعادة السيادة الدوائية، توطين تصنيع التركيبات الدوائية الأساسية في الوحدات المحلية والمركزية، لكسر احتكار سلاسل التوريد والتحكم في الأسعار بعيدا عن أهواء الوسطاء.
وإنشاء صندوق الطوارئ الشعبي، تعزيز الدور المجتمعي عبر الجمعيات الأهلية لإنشاء صناديق تكافلية محلية، تضمن توفير الحد الأدنى من الطوارئ في القرى النائية، وتخلق رقابة شعبية على أداء المؤسسات الطبية.

لقد حان الوقت لندرك أن الاقتصاد الذي يبنى على استنزاف جيوب المرضى واستغلال أوجاعهم هو اقتصاد هش لا يملك مقومات البقاء، إن السياسة الصحية التي تغض الطرف عن معاناة المواطن في “كعب داير” البحث عن سرير، هي سياسة تستوجب “بتر” مواضع الخلل لا مجرد مسكنات.

إن الاقتصاد الذي يقتات على جثث المرضى هو اقتصاد “هش” لا يملك في رصيده سوى الوهم، إننا أمام واقع يحتاج إلى “مشرط جراح” لا يرحم الفساد، وليس مجرد مسكنات تجميلية، فإما أن نستعيد آدمية المواطن في “دولة القانون والرحمة”، أو نترك هذا الملف مفتوحا لشهادات ستكشف يوما أننا ضحينا بأجيال كاملة في “سبوبة الوجع”، إن أوجاعنا من السلوم لحلايب ليست مجرد أرقام في تقرير، بل هي صكوك إدانة لكل من تخاذل.

ومن يظن أن الناس نسيت، فهو واهم، فالوجع ذاكرته لا تموت.
فنحن لا نكتب لنحصد الإعجاب، بل لنوقظ الضمائر التي غفلت عن “سوق النخاسة” الذي تحول إليه قطاع الصحة، والكلمة التي لا تتحول إلى صرخة في وجه الفساد هي حبر ميت، لن ننتظر معجزة، بل سنظل نكتب حتى يدرك من بيدهم الأمر أن “صحة الناس” ليست للمساومة، القلم سيبقى مشهرا، وللحديث بقية، طالما بقيت في هذا الوطن قلوب تنبض بالرفض.

وإن قلمي ليس مجرد حبر على ورق، بل هو صوت من لا صوت له، وصرخة في وجه كل من يتخذ من “آلام الناس” جسرا لمراكمة الثروات، سنظل نكتب ونطالب ونحلل، ليس رغبة في النقد للتشهير، بل حرصا على أن يبقى في هذا الوطن قلب ينبض بالعدالة، قبل أن نجد أنفسنا أمام واقع لا يرحم الضعفاء.

يوسف عبداللطيف يكتب: خريطة الوجع وتجارة الألم

Exit mobile version