حين نقرأ القرآن نجد أنه يستخدم أحيانًا تعبير “يخشون الله”، وفي مواضع أخرى يقول “يخافون الله”، وقد يبدو للوهلة الأولى أن الكلمتين تؤديان المعنى نفسه، لكن التأمل يكشف أن الفرق بينهما ليس لغويًا فقط، بل فرق في طبيعة الشعور الإنساني نفسه. فالخوف والخشية حالتان مختلفتان، وإن كانتا تلتقيان أحيانًا في قلب واحد.
الخوف هو الشعور الذي يتولد عندما يشعر الإنسان بتهديد أو خطر أو مصير مجهول. وهو ليس دائمًا خوفًا من ألم مباشر، بل قد يكون خوفًا من شيء لا يستطيع العقل تحديد حدوده أو توقع نهايته. ولهذا فإن الإنسان كثيرًا ما يخاف المجهول أكثر مما يخاف الألم نفسه. فالألم الذي يمكن قياسه أو فهمه يصبح محتملًا إلى حد ما، أما ما لا يمكن تصوره أو معرفة مداه فيتحول إلى مصدر رهبة حقيقية.
ومن هنا نفهم طبيعة الخوف من يوم القيامة في القرآن. فالقرآن لا يصور الأمر على أنه مجرد خوف من نار أو عذاب مادي، بل خوف من يوم كامل يحمل معنى الاختناق النفسي والوجودي، كما في قوله تعالى: “إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا”. فالوصف هنا ليس للنار ذاتها، بل ليومٍ مجهول الملامح، ثقيل الإحساس، لا يعرف الإنسان كيف تمر لحظاته ولا ماذا ينتظره فيه. إن الرعب هنا لا يأتي فقط من العذاب، بل من الإحساس بالعجز أمام مجهول مطلق لا يمكن للعقل الإحاطة به.
وهذا يشبه تمامًا رهبة الإنسان من البحر. فالناس لا يخافون البحر فقط بسبب احتمال الغرق، بل لأن البحر يحمل في أعماقه شيئًا غير قابل للفهم الكامل. فسطحه قد يبدو هادئًا، بينما تخفي أعماقه قوة وغموضًا لا يمكن التنبؤ بهما. ولهذا فإن الجاهل قد يخاف البحر لأنه لا يعرف السباحة، أما البحّار القديم فيخشاه لأنه يعرفه جيدًا. يعرف كيف يتحول الهدوء إلى عاصفة، وكيف يمكن للموج أن يبتلع سفينة كاملة في دقائق. فالمعرفة هنا لا تُلغي الرهبة، بل تجعلها أعمق.
ومن هذه النقطة يبدأ الفرق الحقيقي بين الخوف والخشية. فالخوف قد ينشأ من توقع الضرر، أما الخشية فتنشأ من الإدراك. ولذلك ارتبطت الخشية في القرآن بالله أكثر من أي شيء آخر، لأن الإنسان لا يخشى الله فقط بسبب العقاب، بل بسبب إدراكه لعظمة لا يستطيع العقل الإحاطة بها. ولهذا قال القرآن: “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ”، لأن المعرفة الحقيقية لا تولّد دائمًا الطمأنينة، بل قد تكشف للإنسان حجم عجزه وضآلة قدرته أمام هذا الكون الهائل.
فالإنسان قد يخاف النار لأنها تؤلم، لكنه يخشى الله لأنه يدرك الجلال والقدرة والعلم المطلق. والخوف قد يدفع الإنسان إلى الهروب، أما الخشية فتدفعه إلى المراقبة الداخلية والانضباط حتى في غياب أي رقيب. ولهذا قد يخاف الإنسان من العقوبة، لكنه إذا وصل إلى مرتبة الخشية أصبح أكثر وعيًا بنفسه وأكثر إدراكًا لمسؤوليته.
ومع ذلك فالقرآن استخدم التعبيرين مع الله، لأن الإنسان في الحقيقة يعيش الحالتين معًا. فهو يخاف من الحساب والمصير وأهوال اليوم الآخر، ويخشى الله لعظمته وهيبته واتساع قدرته. فالخوف هنا مرتبط بالمصير المجهول، بينما الخشية مرتبطة بمعرفة من بيده هذا المصير.
إن الفرق بين الخوف والخشية هو الفرق بين من يرتعب من الألم، ومن يقف مبهورًا أمام عظمة لا يستطيع فهمها بالكامل. ولذلك قد يبتعد الإنسان عما يخافه، لكنه يظل يحمل في داخله خشية مما أدرك اتساعه وهيبته، حتى لو لم يره بعينيه.
م. خالد محمود خالد :بين الخوف والخشية… لماذا استخدم القرآن التعبيرين مع الله؟

